من “التطبيع” إلى “التجويد”: قراءة في استراتيجية ولاية الجزيرة لإعادة هندسة الخدمات في مرحلة ما بعد الصدمة

الظهيرة – تاج السر ود الخير :
في خطاب يحمل دلالات سياسية وإدارية عميقة، أعلن والي ولاية الجزيرة، الطاهر إبراهيم الخير، انتقال حكومته من مرحلة “التطبيع” إلى مرحلة “التجويد والارتقاء” بالخدمات. هذا الإعلان، الذي صدر خلال جولة تفقدية للمشاريع الخدمية الكبرى بالولاية، ليس مجرد تحديث لبرنامج عمل، بل هو مراجعة نقدية لمفهوم إدارة الأزمات في سياق سوداني معقد. ففي بلد طالما ارتبط مفهوم “التطبيع” فيه بالتعامل مع تداعيات الحروب والأزمات المعيشية.
فإن الانتقال إلى “التجويد” يعني تحولاً في أولويات الحكم من البقاء إلى التنافسية، ومن سد الثغرات إلى صناعة التميز. لكن السؤال المحوري الذي يطرحه هذا التحول: هل تمتلك الولاية الأدوات المالية والإدارية لإعادة تعريف جودة الحياة، أم أن الخطاب يسبق الفعل في معادلة التنمية السودانية؟
كشفت الجولة عن تركيز استراتيجي واضح على قطاع الصحة، ممثلاً في مستشفى الطوارئ والإصابات ومركز جراحة المخ والأعصاب، الذي تجاوزت كلفة تأهيله 4 تريليونات جنيه. هذا الرقم، في سياق اقتصادي متضخم، ليس مجرد تكلفة، بل هو استثمار في البنية التحتية الحرجة التي تشكل شريان الحياة لأكثر من ولاية. إن تجهيز 3 غرف عمليات، وإنشاء وحدة عناية مكثفة بـ 15 سريراً، وتوفير جهاز أشعة متحرك “الأول من نوعه في البلاد”، يرسم ملامح مركز طبي إقليمي يهدف إلى تخفيف الضغط عن الخرطوم، وإعادة توزيع الكفاءات الطبية جغرافياً. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفير الأجهزة، بل في تأمين استدامتها، وتوفير الكوادر البشرية المؤهلة لتشغيلها، وصيانتها في بيئة تعاني من نقص العملة الصعبة. فهل تتضمن خطة “التجويد” برامج لربط هذه المعدات بشبكات صيانة محلية، أم ستظل رهينة لتقلبات الاستيراد؟
وفي خطوة تعكس وعياً بأهمية السلطة الناعمة، أولى الوالي اهتماماً متساوياً لقطاع الثقافة والإعلام، عبر تأهيل هيئة الإذاعة والتلفزيون ومكتبة قصر الثقافة. إن إطلاق تطبيق “إذاعة ودمدني” على الإنترنت، وتوفير أكثر من 17 ألف كتاب بالمكتبة، يمثلان محاولة لجرّ المؤسسات الثقافية التقليدية إلى العصر الرقمي. لكن السمة الأكثر إثارة للاهتمام هي الربط العضوي بين الترميم المادي (صيانة المباني) والترميم الرمزي (تفعيل الموسم الثقافي). هذا يشير إلى إدراك أن التنمية لا تقاس بالمشاريع الإسمنتية فحسب، بل بقدرة الدولة على إنتاج خطاب ثقافي يشمل الجميع، ويكسر عزلة الأقاليم. ومع ذلك، يظل التحدي في كيفية تحويل هذه المكتبات والاستوديوهات إلى فضاءات عامة حية، بدلاً من أن تبقى صروحاً معمارية تفتقد إلى البرامج الجماهيرية المستدامة.
ربما كان الإعلان عن مدينة الشهيد محمد إسماعيل حسين الجامعية، التي تتسع لـ 672 طالبة موزعة على 84 غرفة، هو الأكثر دلالة على البعد الاجتماعي لخطة “التجويد”. ففي ولاية تعتبر قلب السودان الزراعي، فإن استهداف التعليم العالي والبنية السكنية للطالبات، يعكس رؤية لتمكين المرأة وامتصاص الضغط السكاني عن المدن الكبرى. لكن الرقم يثير تساؤلات حول الاكتفاء، فعدد الطالبات المستوعبات يبقى ضئيلاً مقارنة بالكتل السكانية الطلابية في الجامعات الحكومية. كما أن الإشارة إلى مساهمة الحكومة في تأهيل 47 داخلية بالولاية، تفتح الباب لتساؤل أعمق: هل هذه المدن الجامعية ستكون مجرد مساكن، أم ستتحول إلى مجمعات بحثية وتكنولوجية تواكب احتياجات السوق المحلي؟
إن ما تقدمه حكومة ولاية الجزيرة اليوم، هو نموذج لإدارة التنمية من الأسفل إلى الأعلى، في محاولة لكسر التبعية للعاصمة. إن الانتقال من “التطبيع” (أي التعامل مع الواقع المفروض) إلى “التجويد” (أي صناعة واقع جديد)، يمثل نقلة نوعية في الخطاب السياسي السوداني، خاصة في ظل غياب رؤية مركزية واضحة من الحكومة الاتحادية. لكن القراءة التحليلية لهذه المشاريع تكشف عن هشاشة أساسية: وهي الاعتماد على التمويل الحكومي المحلي في ظل سياسات تقشفية، وغياب آليات للشراكة مع القطاع الخاص أو المجتمع المدني. كذلك، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه المنشآت من “مشاريع افتتاح” إلى “مؤسسات دائمة” لها ميزانيات تشغيلية وصيانة وقائية.
في النهاية، تظل ولاية الجزيرة مختبراً حيوياً لاختبار قدرة النخب المحلية على قيادة التنمية بعيداً عن المركز. فإن نجحت في تجويد الخدمات مع الحفاظ على الجودة، ستكون قد رسمت خارطة طريق للولايات الأخرى. وإن استهلكتها التضخمات والمعوقات البيروقراطية، فسيظل “التجويد” مجرد عنوان مؤقت في سجل الأماني، يليق بجمالية اللغة لا بواقعية السياسة. وما بين الاثنين، تقف حكومة الولاية أمام اختبار الزمن، الذي لا يرحم ولا يقبل سوى النتائج الملموسة في حياة المواطن اليومية.



