مقالات الظهيرة

(اذان صاغية).. حين نكتب عن شهيد… فإنما نكتب عن أمةٍ من الشهداء!!

اذان صاغية

حين نكتب عن شهيد… فإنما نكتب عن أمةٍ من الشهداء

بقلم الدكتور عامر ابراهيم محمد المحامي

باحث في القانون الدولي الإنساني

الشهيد العميد الركن سراج الدين عبدالله محمد أحمد (ابو محمد)… سيرة البذل والثبات وملحمة الدفاع عن معسكر المدرعات في معركة الكرامة

حين نكتب عن شهيد، فإننا لا نكتب عن رجلٍ بعينه فحسب، وإنما نستحضر سيرة جيلٍ من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وثبتوا في ميادين الشرف، وجعلوا من أرواحهم جسوراً تعبر عليها الأوطان نحو العزة والكرامة. فالشهداء، وإن اختلفت أسماؤهم ومواقعهم، تجمعهم صفات البطولة، وصدق الانتماء، والثبات عند الشدائد؛ فهم خيارٌ من خيار، وصفوةٌ اصطفاهم الموقف، وكشفت معادنهم المحن.

ومن بين هذه القامات الوطنية الشامخة، يبرز اسم الشهيد العميد الركن سراج الدين عبدالله محمد أحمد، أحد أبناء الدفعة الثالثة والأربعين بالكلية الحربية، الذي سطّر بدمه صفحةً من صفحات الفداء في معركة الكرامة، واختار أن يكون في مقدمة المدافعين عن معسكر المدرعات، حيث تتجلى معاني القيادة الحقة، ويُختبر صدق الرجال، وتُوزن المواقف بميزان التضحية والثبات.

إن الحديث عن الشهيد سراج الدين عبدالله ليس استعادةً لذكرى عابرة، بل هو استحضارٌ لمسيرة عسكرية ووطنية تستحق أن تُروى للأجيال، بما شهدته مواقع عمله من عطاء، وما جسّده في مسيرته من انضباطٍ ومسؤولية، وما انتهت إليه رحلته من موقفٍ خالد، اختار فيه موقع الدفاع عن الأرض والكرامة، حتى نال شرف الشهادة في معركة الكرامة. فالرتب العسكرية، مهما علت، لا تصنع وحدها مجد الرجال؛ إنما يصنعه ما يتركونه من أثر، وما يتحملونه من مسؤولية، وما يقدمونه حين ينادي الواجب.

وُلد الشهيد في الخرطوم، بمنطقة اليوم الشرقية ونشأ على امتداد جذورٍ ضاربة في تاريخ السودان وأصالته؛ فهو من الجعليين، من أبناء ود ضبعة بالجوير، غرب شندي، (مقاماً وانتماءً إلى أرض الأجداد، الكلاكلة)، تلك البقعة التي أنجبت أفذاذاً من العسكريين والمدنيين، ورفدت الوطن برجالٍ عُرفوا بالعزيمة والإقدام والاعتزاز بالجذور.

وفي هذه السيرة تتجلى وشائج القرابة وعمق الانتماء، إذ تجمع الشهيد العميد الركن سراج الدين عبدالله محمد أحمد والشهيد الملازم وداعة الله إبراهيم، من الدفعة التاسعة والثلاثين بالكلية الحربية، صلةُ العمومة، وذاكرةُ النشأة، ورابطةُ الرحم التي لا تزيدها الشدائد إلا رسوخاً.

 

فقد جمعتهما (أرض الكلاكلة)بوابة المهدي الخرطوم ، التي نعتز بالانتماء إليها، ونتشرف بنسبنا ومصاهرتنا لأهل العيلفون، في لوحةٍ تجسد تلاحم الأسر السودانية وتداخل أنسابها، وتؤكد أن البطولة ليست فعلاً فردياً معزولاً، بل امتدادٌ لقيمٍ تتوارثها الأجيال.

أما معركة الكرامة، فقد كشفت عن معادن الرجال، وأظهرت أن القيادة ليست أمراً ولا رتبةً فحسب، وإنما قدوةٌ في الميدان، وثباتٌ عند المحنة، واستعدادٌ لتحمل تبعات القرار. وحين اختار الشهيد سراج الدين موقعه في الدفاع عن معسكر المدرعات، فقد اختار موقع المسؤولية في لحظةٍ فارقة، حيث يصبح الواجب الوطني امتحاناً حقيقياً للضمير والشجاعة، وتغدو التضحية موقفاً لا تمحوه السنون.

لقد رحل الشهيد عن دنيانا، لكن الشهادة لا تطوي سيرة الرجال؛ بل تمنحها امتداداً في وجدان أهلهم ورفاقهم ووطنهم. وسيظل اسمه حاضراً في ذاكرة من عرفوه، وفي سجل المؤسسة العسكرية، وفي ضمير كل من يرى في الوفاء للشهداء مسؤوليةً أخلاقية، تقتضي حفظ سيرتهم، وتوثيق بطولاتهم، وتعريف الأجيال بما قدموه من تضحيات.

إننا، ونحن نستذكر الشهيد العميد الركن سراج الدين عبدالله محمد أحمد، لا نرثي رجلاً فحسب، بل نحيي قيماً أصيلةً من قيم العسكرية السودانية: الشرف، والانضباط، والوفاء، والإقدام، وتحمل المسؤولية. ونؤكد أن أعظم ما نقدمه للشهداء ليس الكلمات وحدها، وإنما صون ذكراهم، والاقتداء بما جسّدوه من قيم، والعمل من أجل وطنٍ ينعم بالسلام والأمن والاستقرار.

سلامٌ على سراج الدين يوم وُلد، وسلامٌ عليه يوم حمل أمانة الواجب، وسلامٌ عليه يوم ثبت في موقعه، وسلامٌ عليه يوم ارتقى شهيداً في معركة الكرامة.

إضافة لما كتبه العميد الركن أمير إبراهيم سعيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى