مقالات الظهيرة

(أصل القضية) من سلسلة الجسر والمورد…  السودان.. إعادة قراءة مقال نشوة أحمد الطيب!!

بقلم / د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

 

بعض المقالات لا تنتهي عند آخر سطر فيها؛ لأنها تترك وراءها سؤالًا أكبر من موضوعها.

 

قرأتُ مقال الأستاذة نشوة أحمد الطيب «غسيل أخلاق» أكثر من مرة. وفي كل مرة كنت أتجاوز تفاصيل الهواتف والذهب والمجوهرات والهدايا، لأتوقف عند السؤال الذي أراه مختبئًا خلف النص:

> ماذا يحدث عندما لا يعود المال يشتري الأشياء فقط، بل يبدأ في شراء الصورة التي يرى بها الناس صاحب المال؟

 

ببساطة لأن هذا السؤال يعيدني إلى مقال سابق من #أصل_القضية بعنوان :

> السودان.. تسوّل المكانة في سوق المهانة.

 

حيث نظرنا إلى المشهد من جهة من يبحث عن الاعتراف فكانت الصورة إلى جوار مسؤول، تعني الاقتراب من شخصية نافذة، ثم تتحول الصورة من ذكرى إلى رسالة مفادها …

> أنا أعرف من تعرفون.

 

كان ذلك وجهًا من المشهد. أما مقال الاستاذة / نشوة يضعنا أمام الوجه الآخر…

> ماذا يحدث عندما لا يعود الباحث عن الاعتراف هو وحده من يدخل السوق، بل يصبح قادرًا على شراء بعض الذين يمنحونه؟

 

هنا نطرح مفهوم بورصة السوق الاجتماعية وهي ليست سوقًا بالمعنى التقليدي، وإنما مساحة يجري فيها تبادل أشياء لا تظهر في دفاتر الحسابات من قبيل القبول، الثقة، الصورة، العلاقات، الوصول والاعتراف.

المشكلة هنا لا تبدأ عند تقديم الهدية، وإنما عندما تنتج الهدية أثرًا يتجاوز قيمتها. فإذا حصل شخص على هدية، ثم ردّها بصورة، والصورة منحت قبولًا، والقبول جعل حضوره طبيعيًا، بدأ المجتمع يتعامل مع الصورة الجديدة بوصفها حقيقة اجتماعية. وهنا تكمن القضية.

> ما كان سلوكًا خاصًا يبدأ في إنتاج أثر عام.

 

فالشخص الذي كان يحتاج إلى تبرير حضوره قد يجد من يقدمه للناس بطريقة مختلفة، ومن كان مثار سؤال قد يصبح محل احتفاء، ومن كان يبحث عن القبول قد يحصل عليه عبر أصوات وشخصيات لا تحتاج إلى كثير من الكلام. ومع تكرار المشهد، لا يعود الجمهور يرى الهدية وانما يرى النتيجة.

 

> يرى الصور، والعلاقات، والحضور، والاحتفاء.

 

وهكذا يمكن للمال أن يفعل ما هو أبعد من شراء سلعة ، أن يساهم في إعادة تشكيل الإدراك العام تجاه صاحبه. وهنا ينتقل الأمر من الفرد إلى المجتمع.

لأن المجتمع حين يمنح الصورة الجديدة قبولًا، فإنه لا يكتفي بمشاهدة المشهد؛ بل يضيف إليه جزءًا من شرعيته.

> من هذه النقطة يصبح رأس المال الاجتماعي جزءًا من المعادلة.

 

فالسمعة والثقة والعلاقات ليست مجرد مزايا شخصية إنها موارد عامة تتراكم عبر الزمن. وعندما تُستخدم هذه الموارد لتغطية سلوك لا يستحقها، فإن الضرر لا يقع على صاحبها وحده، بل على قيمة الثقة نفسها.

وهنا يبدأ المسار الذي ينبغي أن يقلق الدولة حيث السلوك فردي يخلق قبول اجتماعي والذي بدوره يحدث إعادة تشكيل للصورة مما يحدث تأثير في الإدراك العام و قابلية أكبر للنفوذ.

 

هنا لا نحتاج بعد ذلك إلى قوة تفرض نفسها مباشرة يكفي أن تجد بيئة اجتماعية أصبح فيها بعض الناس مستعدين لتحويل علاقاتهم وصورتهم وثقتهم إلى أدوات تأثير.

ولهذا فإن التأثير الخارجي لا يبدأ بالضرورة من الحدود يبدأ من سؤال أبسط..

ماذا وجد القادم من الخارج جاهزًا عندنا في الداخل فاشتغل عليه ؟

 

إذا وجد علاقات قابلة للتوظيف، وأصواتًا تبحث عن الاعتراف، وشخصيات يمكن استمالتها بالمصلحة، فإنه لا يحتاج إلى بناء شبكة من الصفر.

سيجد شبكة قائمة، وكل ما يحتاجه أن يعرف كيف يدخل إليها. وهنا تصبح حماية الدولة أوسع من حماية مؤسساتها المادية. ه

 

فالدولة تحتاج أيضًا إلى مجتمع يحتفظ برأس ماله الاجتماعي بعيدًا عن الابتذال مجتمع لا يجعل الصورة بديلًا عن الإنجاز، ولا القرب بديلًا عن الكفاءة، ولا الهدية بديلًا عن الاستحقاق.

 

وهذا يعيدنا إلى مقال الأستاذة/ نشوة من زاوية مختلفة فغسيل الأخلاق ليس فقط محاولة لتغطية ماضٍ أو تحسين صورة شخص ، الأخطر أن يتحول الغطاء نفسه إلى آلية لإنتاج قبول جديد وحين يحدث ذلك، لا يعود السؤال متعلقًا بالهدية التي وصلت إلى يد شخص.

 

بل بالأثر الذي انتقل منها إلى وعي المجتمع.

في «تسوّل المكانة في سوق المهانة» كان سؤالنا ..

«من يستعير مكانة غيره؟»

أما هنا، فإن إعادة قراءة مقال غسيل الاخلاق تدفعنا إلى سؤال آخر..

> ماذا يحدث عندما يصبح بعض أصحاب المكانة جزءًا من عملية إعادة تقديم الآخرين للمجتمع؟

 

هنا تتصل الأخلاق بالوعي، ويتصل الوعي برأس المال الاجتماعي، ويتصل رأس المال الاجتماعي بمناعة الدولة.

 

#أصل_القضية..

 

ربما لا يكون أخطر ما يستطيع المال شراءه شيئًا نضعه في اليد قد يكون شيئًا نضعه في وعي الناس فإذا استطاع المال أن يغيّر الصورة، واستطاعت الصورة أن تغيّر الإدراك، وأصبح الإدراك قادرًا على منح القبول، فإن ما بدأ كهدية خاصة قد ينتهي بتأثير عام.

وهنا لا تعود القضية من دفع؟ ومن أخذ؟ ، بل كيف انتقلت الصفقة من يدٍ إلى وعيٍ؟ ، لأن المجتمع الذي يحمي الأشياء التي لا ينبغي أن يكون لها سعر، يحمي في الوقت نفسه أحد أهم موارده وهنا نقصد ..

قدرته على أن يرى الأشياء كما هي. لان هذا بالضبط هو #أصل_القضية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى