مقالات الظهيرة

يا سيادة رئيس مجلس السيادة: أوائل السودان أمانة في عنقك ومستقبل وطن واجيال

رؤية وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

=================

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية مجلس الصداقة الشعبية العالمية ورئيس مبادرة التكامل الشعبي بين السودان ومصر (تحت التاسيس)

=================

من الأفكار ما يمرُّ على الأسماع كما تمرُّ السحابة العابرة، ومنها ما يوقظ في النفس سؤالاً كان ينبغي أن يُطرح منذ زمن. وقد لفت نظري ما طرحه الكاتب الدكتور الشاذلي عبدالمجيد حول قضية تعليم أبناء السودان ومستقبل المتفوقين منهم، وهي قضية تستحق أن نتوقف عندها طويلاً؛ لا لأن صاحبها أشار إلى مشكلة فحسب، وإنما لأنه وضع أيدينا على جرحٍ عميق من جراح الوطن: ماذا نفعل بأوائل أبنائنا؟ وإلى أين نوجّه عقولهم؟ ومن يحرس مستقبل السودان حين تتسابق الدول إلى استقطاب نوابغه؟

 

إن الأمم لا تُقاس فقط بما تملك من ذهبٍ ونفطٍ وأرضٍ ومياه، وإنما بما تملك من عقول قادرة على تحويل تلك الموارد إلى نهضة وحياة. وقد يذهب المال ويعود، وتجف الآبار ثم تُكتشف غيرها، ولكن إذا خرجت العقول النابهة من الوطن ولم تجد من يحتضنها، فإن خسارتها لا تُقاس بمال، ولا تُعوَّض بسهولة.

 

ومن هنا، فإن مسؤولية التعليم العالي في السودان ينبغي ألا تتوقف عند إدارة الجامعات أو الإشراف على برامج القبول والمنح، وإنما يجب أن تمتد إلى معركة بناء الإنسان السوداني في الداخل والخارج.

 

ولعل من الخطوات المهمة أن يُعاد النظر في مسمى الملحق الثقافي في سفارات السودان، ليصبح الملحق التعليمي والثقافي، بحيث تكون له مهمة واضحة ومتكاملة بالتنسيق المباشر مع وزارة التعليم العالي والجهات المختصة في الدولة المضيفة.

 

فالملحق التعليمي والثقافي ينبغي أن يكون عين السودان التي ترصد فرص التعليم والتدريب والمنح والتخصصات الحديثة، وأن يعرف قبل غيره: ما الذي تحتاجه الجامعات والمراكز العلمية في العالم؟ وما التخصصات التي يحتاج إليها السودان بعد سنوات؟ وأين توجد أفضل فرص التدريب المهني والتقني والطبي والهندسي؟ وأين يمكن لأبنائنا أن يتعلموا الذكاء الاصطناعي، والعلوم الرقمية، والتقنيات الحديثة، والطب المتقدم، والهندسة، والطاقة، والزراعة الحديثة، وإدارة الموارد؟

 

ثم يعود بهذه الخريطة إلى الوطن، لتضع الدولة احتياجاتها الحقيقية من التخصصات أمام أبنائها.

 

نحن لا نحتاج إلى منح عشوائية؛ نحن بحاجة إلى منح تُبنى على احتياجات السودان.

 

إذا كان الوطن يحتاج إلى أطباء في تخصصات دقيقة، فلنبحث عن تلك المنح.

وإذا كان يحتاج إلى مهندسين في الطاقة والمياه والطرق والإنشاءات، فلنوجّه أبناءنا إليها.

وإذا كان يحتاج إلى خبراء في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والبرمجيات والعلوم الحديثة، فلنفتح لهم الأبواب.

وإذا كان يحتاج إلى مهارات مهنية وتقنية، فلا ينبغي أن ننظر إلى التعليم المهني نظرةً أدنى من التعليم الأكاديمي؛ فالأوطان تبنيها الأيدي التي تعرف، والعقول التي تخطط، والمهن التي تنتج.

 

والأهم من ذلك كله: أن تكون هذه الفرص معلنة أمام الشعب، لا أن تبقى في دوائر مغلقة.

 

لماذا لا تُعلن وزارة التعليم العالي، بالتنسيق مع وزارة الخارجية، جميع المنح والفرص التعليمية المتاحة للسودانيين بشفافية كاملة، وتُبث عبر تلفزيون السودان ووسائل الإعلام الرسمية والمنصات الإلكترونية، ويُفتح باب المنافسة أمام الجميع؟

 

لماذا لا يكون التفوق والاجتهاد والكفاءة هي الواسطة الوحيدة؟

 

إن السودان لا ينقصه المتفوقون، وإنما يحتاج إلى نظام يعرف كيف يصل إليهم قبل أن يصل إليهم الآخرون.

 

وهنا تكمن المسألة الأخطر.

 

هناك دول أدركت منذ سنوات أن استقطاب الطالب المتفوق في مقتبل عمره هو استثمار في مستقبلها. فتفتح له أبواب الدراسة، وتوفر له الرعاية والمخصصات، وتتيح له مواصلة الدراسات العليا، ثم تمنحه فرص العمل والإقامة، وقد ينتهي الأمر بمنحه جنسيتها.

 

وهكذا لا تخسر تلك الدول مقعداً دراسياً، وإنما تكسب إنساناً موهوباً قد يصبح بعد سنوات عالماً أو طبيباً أو مهندساً أو أستاذاً أو قائداً في مجال من مجالات المعرفة.

 

وفي المقابل، ماذا نفعل نحن؟

 

هل ننتظر حتى يتخرج أوائلنا، ثم نكتشف أنهم أصبحوا جزءاً من منظومات علمية واقتصادية خارج السودان؟

 

وهل فكرنا بما يكفي في هذا الفاقد الوطني من العقول؟

 

إن أخطر هجرة قد يشهدها وطن ليست هجرة الأموال، وإنما هجرة العقول التي كان يمكن أن تصنع الأموال، وتبني المؤسسات، وتفتح المصانع، وتطوّر الزراعة، وتنهض بالصحة والتعليم والتقنية.

 

ولذلك فإنني أرفع هذه الرسالة إلى السيد رئيس مجلس السيادة والسيد رئيس مجلس الوزراء وقيادات التعليم العالي والخارجية:

 

الحقوا أوائل السودان هذا العام.

 

اجعلوا لهم برنامجاً وطنياً خاصاً، تتبناه الدولة وتتابعه، لا من باب المنحة العابرة، وإنما من باب الاستثمار الاستراتيجي في مستقبل السودان.

 

ليعرف الطالب المتفوق أن وطنه يراه، وأن الدولة تعرف اسمه، وتعرف تفوقه، وتعرف التخصص الذي يحتاج إليه الوطن، وتريد أن تهيئ له الطريق ليعود يوماً بعلمه وخبرته لخدمة بلاده.

 

ليس المطلوب أن نمنع أبناءنا من السفر، فالعلم لا وطن له، والمعرفة لا حدود لها؛ وإنما المطلوب أن نسافر بعقول أبنائنا إلى العالم، ولا نسمح بأن يسافر مستقبل السودان بعيداً عن السودان.

 

نريد أن يتعلم أبناؤنا في أرقى جامعات العالم، وأن ينهلوا من تجارب الأمم، وأن يعودوا محمّلين بالعلم والخبرة، أو أن يبقوا جسوراً علمية واقتصادية وثقافية تربط السودان بمراكز المعرفة العالمية.

 

ولنبدأ من هذا العام بقاعدة واضحة:

 

كل منحة متاحة للسودانيين يجب أن يعرف بها السودانيون.

وكل فرصة يجب أن تخضع لمعايير معلنة.

وكل طالب يجب أن ينافس على أساس الكفاءة.

وكل تخصص يُبتعث إليه طالب يجب أن يرتبط بحاجة وطنية حقيقية.

 

ولماذا لا تُنشأ قاعدة بيانات وطنية لأوائل السودان والمتفوقين في كل عام، منذ المرحلة الثانوية وحتى الدراسات الجامعية والعليا، وتُتابع مسيرتهم العلمية، وتُربط احتياجات الدولة المستقبلية بمواهبهم وتخصصاتهم؟

 

إن بناء الأوطان يبدأ من الإنسان.

 

وقد نختلف في السياسة، ونتفق، وقد تتبدل الحكومات، وتتغير الظروف، لكن هناك قضية لا ينبغي أن تكون محل خلاف: مستقبل أبناء السودان.

 

فهذا الطالب الذي جلس اليوم في مقعد الامتحان، وأحرز المرتبة الأولى، قد يكون غداً الطبيب الذي ينقذ آلاف الأرواح، أو المهندس الذي يبني جسراً، أو العالم الذي يكتشف علاجاً، أو المبرمج الذي يؤسس شركة تقنية عالمية، أو الأستاذ الذي يخرج أجيالاً من العلماء، أو الخبير الذي يضع للسودان خطة تنقله من الاستهلاك إلى الإنتاج.

 

فكيف نفرّط فيه؟

 

إن السودان يمر بظروف قاسية، ولكن أصعب ما يمكن أن نفعله هو أن ننظر إلى المستقبل بعين الحاضر وحده. فالدولة التي تريد أن تنهض بعد الحرب والأزمات لا تنتظر حتى تنتهي أزمتها لتبدأ بناء الإنسان؛ بل تبني الإنسان الآن حتى يكون قادراً على بناء الدولة غداً.

 

يا أهل التعليم العالي، ويا أهل القرار:

 

لا تجعلوا المنحة خبراً صغيراً في صحيفة، ولا تجعلوا الطالب المتفوق رقماً في كشف.

 

إن وراء كل اسم حكاية، ووراء كل عقل وطن، ووراء كل موهبة مستقبل أمة.

 

فإن نحن احتضنا أبناءنا، وجدوا في السودان وطناً لا يتخلى عنهم.

 

وإن نحن تركناهم بلا رعاية ولا مشروع، فسوف تأتي إليهم الأوطان الأخرى بمشروعاتها وإمكاناتها، ولن يكون من حقنا يومها أن نسأل: لماذا ذهبوا؟

 

الأوطان العظيمة لا تخطف أبناءها من العالم، وإنما تجعل العالم كله مدرسةً لأبنائها، ثم تعيدهم إلى حضن الوطن علماءَ وخبراءَ وبناة.

 

فيا رب، احفظ السودان وأبناء السودان، وافتح أمام شبابنا أبواب العلم والمعرفة، واجعل علمهم قوةً لوطنهم، ونوراً لشعبهم، وعملاً صالحاً يبقى أثره بعد أن تذهب الأعمار.

 

فإن ضاع المال عُوِّض، وإن تهدمت الأبنية أُعيد بناؤها، أما إذا ضاعت العقول… فمن يعيد للوطن أبناءه؟

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رؤية وطنية — نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي abuobidaabass949@gmail.com 00201147373693 & 00201096351339

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى