(في ذات الإطار) مصطفى عمر مصطفى هاتريك يكتب… بنك القلق السوداني!!

حين يصبح الخوف عملةً وطنية!
لو أن الكاتب المصري الكبير توفيق الحكيم عاد إلى الحياة، وقرّر أن يكتب جزءًا ثانيًا من مسرحية «بنك القلق»، لما احتاج إلى تغيير كبير في الفكرة؛ كل ما كان عليه أن يفعله هو أن ينقل البنك من القاهرة إلى الخرطوم، ويستبدل بأدهم وشعبان بعضًا من أبناء السودان، ثم يترك لهما مهمة افتتاح الفرع الرئيسي في شارع النيل، على أن تكون الفروع الأخرى موزعة بين مدن النزوح ومنافي اللجوء.
(ولمن لم يشاهد العمل، فإن «بنك القلق» مسلسل تلفزيوني مصري عُرض عام 1972، عن قصة لتوفيق الحكيم، وبطولة عبد المنعم إبراهيم وأبي بكر عزت، وإخراج عبد القادر التلمساني. تدور فكرته حول أدهم وشعبان، اللذين يقرران إنشاء بنك غريب من نوعه، مهمته استقبال قلق الناس ومخاوفهم، قبل أن تتشابك الأحداث وتتحول الفكرة الكوميدية إلى مرآة لواقع اجتماعي وسياسي معقد.)
لكن، ما كان خيالًا ساخرًا في مسلسل الأمس، صار في السودان واقعًا يكاد يحتاج إلى ميزانية دولة مستقلة، ومجلس إدارة، وجمعية عمومية، ومراجع حسابات، وربما لجنة لتقييم الأصول الثابتة من الهموم المتحركة.
فمنذ أن وضعت الحرب أوزارها في بعض المناطق، لم يضع القلق أوزاره في صدور الناس. بل يبدو أنه وجد في البلاد بيئة استثمارية واعدة، فقرر أن يفتتح فيها بنكًا مركزيًا، ويطرح أسهمه للاكتتاب العام، ويمنح كل مواطن حسابًا مجانيًا، مع تسهيلات ائتمانية لا سقف لها!
في بنك القلق السوداني، لا يحتاج المواطن إلى إثبات هويته، ولا إلى شهادة راتب، ولا إلى ضامن. يكفي أن يكون سودانيًا، وأن يكون قد استيقظ صباحًا، حتى يصبح مؤهلًا للحصول على جرعة معتبرة من القلق.
أما رأس المال، فهو مدخرات العمر التي تبخرت، والبيوت التي تهدمت، والوظائف التي ضاعت، والأحلام التي غادرت أصحابها إلى حيث لا يعلمون.
ولأن لكل بنك سياسة ائتمانية، فقد وضع بنكنا العتيد لائحةً خاصة به، تتضمن أنواع الحسابات المتاحة للعملاء.
هناك حساب القلق اليومي، وهو حساب مفتوح لكل من يسأل نفسه عند الاستيقاظ: ماذا سنأكل اليوم؟ وكيف سندبر ثمن الدواء؟ وهل ستعود الكهرباء قبل أن يفسد ما تبقى في الثلاجة؟
وهناك حساب القلق العقاري، المخصص لمن يعود إلى بيته بعد غياب طويل، فيجد أن الجدران التي كانت تحفظ ضحكات أطفاله قد تحولت إلى أطلال، وأن الباب الذي كان يفتحه بمفتاح صغير صار يحتاج إلى ذاكرة كبيرة كي يتعرف إليه.
أما حساب القلق الأسري، فهو من أكثر الحسابات نشاطًا، إذ يتولى تغطية نفقات القلق على الأبناء الذين تفرقوا في المنافي، والأقارب الذين انقطعت أخبارهم، والأصدقاء الذين لم يعد أحد يعرف إن كانوا بخير أم أن أخبارهم قد سبقتهم إلى السماء.
وفي قسم الاستثمار طويل الأجل، يحتفظ البنك بحسابات خاصة بالطلاب الذين انقطعت دراستهم، والشباب الذين ضاعت سنواتهم في الانتظار، والخريجين الذين اكتشفوا أن شهاداتهم الجامعية لا تصلح ضمانًا للحصول على وظيفة، لكنها تصلح، في أحسن الأحوال، لتزيين جدران غرف النزوح.
أما حساب المغتربين واللاجئين، فهو حساب متعدد العملات؛ تُودع فيه تحويلات الجنيه المصري والريال السعودي والدولار، وتُسحب منه جرعات مضاعفة من الحنين والخوف على الأهل والوطن.
ولأن بنك القلق لا يعرف التمييز بين العملاء، فقد قرر أن يفتح أبوابه للجميع.
الموظف الذي فقد مصدر رزقه عميل دائم، والتاجر الذي أُغلقت أبواب متجره عميل مميز، والمزارع الذي ينتظر موسمًا لا يعرف إن كان سيأتي عميل من الفئة الممتازة.
حتى المواطن الذي لا يملك شيئًا يخسره، لم يُحرم من خدمات البنك؛ فقد خصصت له الإدارة حسابًا خاصًا بعنوان «قلق ما بعد الإفلاس»، وهو حساب لا يحتاج إلى رصيد، لأن صاحبه قد استنفد بالفعل كل ما لديه من أموال وأعصاب.
وفي هذا البنك العجيب، لا تنتهي صلاحية القلق بانتهاء ساعات العمل، ولا تُغلق الخزائن في نهاية اليوم. فالقلق هنا يعمل بنظام الورديات، وله فروع متنقلة، وخدمة عملاء على مدار الساعة، وخط ساخن لا ينقطع إلا حين تنقطع الشبكة.
وإذا سألت موظف الاستقبال عن موعد انتهاء هذه الخدمة، أجابك بابتسامة مهنية:
((نعتذر عن عدم قدرتنا على تحديد موعد، فالموضوع قيد الدراسة، وسنوافيكم بالتفاصيل حال توفرها)) .
وهكذا يكتشف المواطن أن البنك الذي جاء إليه ليودع قلقه، قد فتح له حسابًا جديدًا، وأضاف إلى رصيده القديم فوائد مركبة، ورسومًا إدارية، وعمولةً على كل تنهيدة.
لكن المفارقة الكبرى أن بنك القلق السوداني لا يحتاج إلى حملات تسويق، ولا إلى إعلانات تلفزيونية، ولا إلى مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لخدماته.
فالحرب نفسها تولت مهمة التسويق، والنزوح قام بدور الموزع المعتمد، ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت صالة التداول التي يتبادل فيها الناس الأخبار والشائعات والتوقعات.
يكفي أن يكتب أحدهم على هاتفه: «هناك أخبار عن تحسن الأوضاع»، حتى ترتفع مؤشرات الأمل في السوق، ثم لا يلبث أن يظهر من يقول: «لكن لا تستعجلوا، فالأمور لم تستقر بعد»، فتنهار الأسهم، ويعود الجميع إلى تداول القلق بأسعار ما قبل الافتتاح.
أما الأخبار غير المؤكدة، فهي السلعة الأكثر رواجًا في بورصة البنك ترتفع قيمتها كلما غابت المعلومات الموثوقة، ويصبح صاحب المعلومة المزعومة خبيرًا اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا في آن واحد.
وفي هذه البورصة، يستطيع أي شخص أن يحقق أرباحًا خيالية من بث خبر واحد، بينما يدفع المواطن البسيط ثمن الخبر من أعصابه، ومن نومه، ومن ما تبقى في قلبه من طمأنينة.
غير أن بنك القلق، في نسخته السودانية، ليس مجرد مؤسسة افتراضية للسخرية، إنه صورة مكثفة لحياة شعب أثقلته الحرب، وأرهقه الانتظار، وصار يفتش عن الحد الأدنى من الأمان كما يفتش الغريق عن قطعة خشب.
فالسوداني الذي عاد إلى بيته لا يعود وحده؛ يحمل معه ذاكرة النزوح، وأصوات الانفجارات، ووجوه الذين تركهم خلفه، وخوفًا خفيًا من أن تتكرر المأساة.
والذي بقي في المنفى لا ينام مطمئنًا؛ إذ يظل قلبه معلقًا بأخبار الأهل، وعقله موزعًا بين متطلبات الحياة في بلد اللجوء وأحلام العودة إلى وطن لم يعد يعرف متى يفتح أبوابه على اتساعها.
أما من ظل في وطنه، فقد صار يفاوض الحياة كل يوم على شروط البقاء، ويحسب خطواته بين الحاجة والخوف، وبين ما يريده وما يستطيع الحصول عليه.
ولعل أكثر ما يثير السخرية المريرة أن المواطن السوداني أصبح يحتاج إلى قدر من الطمأنينة يفوق ما يحتاج إليه من المال؛ فالمال قد يشتري له طعامًا أو دواءً أو تذكرة سفر، لكنه لا يستطيع أن يشتري له خبرًا مطمئنًا عن غائب، ولا أن يعيد إليه بيتًا تهدم، ولا أن يمحو من ذاكرته مشهدًا لا يريد أن يتذكره.
وفي نهاية المطاف، ربما كان على أدهم وشعبان أن يتركا إدارة البنك للمواطنين أنفسهم؛ فهم أدرى الناس بمصادر القلق، وأقدرهم على ابتكار حسابات جديدة لم تخطر على بال مؤلف ولا مخرج.
لكن ثمة سؤالًا يظل معلقًا فوق واجهة البنك:
ماذا لو قرر المواطنون يومًا أن يسحبوا أرصدتهم كاملة، وأن يغلقوا حساباتهم لدى بنك القلق؟
ربما لن يحدث ذلك بقرار إداري، ولا ببيان صحفي، ولا بخطاب طويل عن التفاؤل بالمستقبل.
إنما يبدأ حين يشعر الناس أن بيوتهم آمنة، وأن أبناءهم في مأمن، وأن لقمة العيش لم تعد معركة يومية، وأن المدرسة عادت مدرسة، والمستشفى عاد مستشفى، والطريق عاد طريقًا لا يخشى المسافر نهايته.
عندها فقط، يمكن لبنك القلق أن يعلن إفلاسه، لا لأن المواطنين فقدوا أرصدتهم، بل لأنهم استردوا حقهم في الطمأنينة.
وحتى يحين ذلك اليوم، سيظل البنك مفتوحًا، وسيظل المواطن السوداني أكبر مودعيه، وأكثر عملائه التزامًا، وأقلهم استفادة من أرباحه.
أما شعار البنك، الذي اقترحته إدارة العلاقات العامة، فيظل مكتوبًا بأحرف عريضة على واجهته:
( بنك القلق السوداني… أودع عندنا همومك، لتستلمها غدًا مضاعفة!)



