مقالات الظهيرة

لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب… عبد الرحيم طاحونة… الفرصة عدّت!!

تؤكد المعلومات بأن عبد الرحيم طاحونة قد جرَّ معه إلى كردفان كلاً من الهادي إدريس، والطاهر حجر، ليزجَّ بهما بالإكراه في آخر خطوط دفاع المليشيا المتدهورة في الشمال خاصة، بعد تَزَيّت سودري والمزروب وأم شرو، وعشرات القرى والبلدات بالكاكي الأخضر في تلك التخوم،وانهارت تجمعات الجنجويد، وامتلأت رعباً، وفرت قطعانهم بالأرجل، وتركوا المركبات خلفهم؛ لأن قيادتها هي طُعم للمسيّرات التي تغطي سماء مسرح العمليات.

 

ولو أن عبد الرحيم دقلو استقبل من أمره ما استدبر، لما غادر محطة شركة الجنيد في حي الرياض، حيث تُجبى إليه ثمرات كل شيء: ريع الذهب، وتجارة الدولار، وصفقات الصادر، والشراكات المنتجة، والمظهر الفاره، وتاتشرات الحراسة التي تضفي على اللافتة التجارية بسطةً من السلطة والنفوذ، وتساعد على استخلاص الثقة، أو زرع الرهبة، وتليين أنفس المستهدفين في المساومات، وتضعيف الأرباح.

 

فلكان الرجل من أعلى رجال الأعمال كعباً، وأكثرهم جمعاً وعدّاً للأموال، ولكنه آثر الجري والطيران في آن واحد، وتلك كانت القاضية بالنسبة له ولآخرين، بالتأكيد بينهم، «الشقيان» الطاهر حجر والهادي إدريس؛ حيث كانا في سعة وعافية وامتيازات، ولكن بريق الطمع الذي بدا لهما من تلقاء تجمع اليسار في تأسيس، وتخييله بأن البديل الذي سيؤتيهما خيراً مما تركاه وراءهما ظِهرياً، وأنهما سيكون لهما سهمان في كتابة تاريخ التغيير في السودان، وسيكتب لهما ثواب الخلود، هو الذي دفعهما للمغامرة غير المحسوبة؛ حيث هما الآن دميتان في يد أبي كيعان، يعبث بهما كيف شاء، ويحملهما على قتال الفلول بلا طاقة، وأن يرقصا معه رقصة الموت على مسرح الطاعون، كما في قصة مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حيث غواية الرقص حتى الموت، وهو حقيقة ما يفعله الجنجويد بأنفسهم.

 

ولو أن رسن الأيام بيد عبد الرحيم دقلو، لأناخ رحله في بوابات القيادة العامة للقوات المسلحة، صبيحة يوم ١٥ أبريل ٢٠٢٣م، وما غادر ولا غفل ، وهو قاب قوسين أو أدنى من الإمساك بالقائد البرهان، كما خُيّل إليه، وكلبشته، ومن ثم تسليمه لحميدتي ــ «هارون أخي» ــ كما نعته ذات مرة.

 

وبينما هو سادر في هذه الغواية بهزيمة الجيش، وتسنُّم الحكم الأخوي في إمارة السودان الجديد، فإذا بطائرة هليكوبتر، «صغيييييرة» كما وصفها، تختطف البرهان، بدون بُوْت، وتغيب به في الأفق، وسط ذهول حراس الليالي من الأشاوس، الذين نالهم حظ من عَلَال الطائرة.

 

نعم، هاتان فرصتان سانحتان، مليئتان بالحوافز ، أولاهما مال ودنيا، والثانية مجد وسلطة ونفوذ، وكلاهما تسربتا من بين يدي عبد الرحيم أبي كيعان، وما تزال آثارهما بادية على محياه، ومجمل سلوكه المضطرب، ودوافعه العدوانية، وعناده، ومكابرته؛ فهو لم يدرك بعد حقائق عصبته، ولا حقائق الميدان، ومعادلات موازين القوى، ولم يعتبر أبداً من موقف الشعب السوداني كله مع جيشه، عدا القحاطة بالطبع، وهؤلاء سواقط لا يُعتد بهم.

 

فالجنجويد الآن ليسوا هم جماعات الأمس، في كامل الزي والزينة والسلاح، يمسكون بعِصَم الخرطوم، وهي ليست حِلاً لهم .

 

كانوا معك لأنكم استثرتم فيهم حمية الجاهلية، وأردتم نسبة النصر لعيال جنيد خاصة، لا ينازعهم فيها أحد، حتى تأكدت استحالة ذلك، فاستعنتم بمن هبَّ ودبَّ، فتضعضعت الثقة في النفس، وتراجع الأداء، واختلف اتجاه الحركة من التقدم إلى الأمام، «قدّام بس»، إلى الهروب للخلف حتى خدور الحواضن.

 

كانوا معك أيام كان الفرد الجنجويدي يتحرك من حجر العسل في نهر النيل إلى حديقة الدندر في ولاية سنار، ومن الصوفي والقطينة إلى الفاو، لا يأكلون إلا اللحم المغتصب المشوي على جمرة الظلم، فأكلوا في بطونهم ناراً، يغتصبون ،وينهبون ، والآن هم ليسوا في ذلك من شيء إلا الذكريات السيئة والحساب المؤجل.

 

كانوا معك لأنك رفعت عنهم غطاء القانون، وهم في الأصل بلا عقال من دين ولا وازع من ضمير، فأشبعت سُعارهم في القتل والانتهاك حتى تجاوزوا العالمية، وبزّوا قسوة الجبابرة، والآن عليهم خشية العواقب مع انحسار ظل السيطرة.

 

كانوا معك لأن ألسنة الحكامات الحِداد شحيحة الخير، كثيرة الشر، تدفعهم إلى مصارعهم دفعاً وحشياً، والآن ذُقنَ طعم الموت ومرارة الفقد، فطفقن ينشُدن السلام.

 

حتى دول الجوار، على رخصتها، رأت معالم خيبتكم البادية للعيان، ففترت حماسة الدفع، وأدركت فداحة ما ارتكبت في حق السودان الذي يجيد «عضَّ أبو القدح» من تحت أُردية الدروع، ومن يسمع لخارجية إثيوبيا هذه الأيام، يطربه النغم، كأنه يقرأ لأبي العتاهية قوله:

 

«وَمَن يَرْمِ السِّهَامَ يَعُدْ عَلَيْهِ

نِكَايَتُهَا وَيَأْتِهِ مَا رَمَاهَا»

 

فيا عبد الرحيم، صاحب الفرص الضائعة، لا تحمّل الضعينة ما لا تحتمل؛ لا يمكن استرجاع الزمن. فنظرة واحدة تكفي لإدراك حجم الخراب الذي أحدثته، ليس فقط في السودان والشعب السوداني، ولكن في قرون «التور» الدامية، وهو يناطح صخرة الصمود للشعب السوداني.

 

إنما يستبقيك هنا فقط الغباء والتهور، وهما بضاعتك مع الناس.

 

الموضوع خلص، وشَطَب، والبرهان اليوم في سودري، حيث تركتم متاعكم وخزائن أسلحتكم، ومستودعات ذخائركم، ووليتم مدبرين. فقط أنصت وأرخِ أذنيك لما تتداوله عناصر المليشيا في الميديا.

 

يا عبد الرحيم، وأنت زول طاحونة قديم، بتعرف الأمثال، فسمسم الدعم السريع انكشح في رمال كردفان، وهبّت هبوب المتحركات، فمن يستطيع التقاطه من بعد؟ أَكييييد فهمت هذه المرة.

 

ناس النور قُبّة قالوا ليك: تعال، لكن راسك قوي يا شقي.

 

برهان في سودري،،

جيش عظيم، وشعب كريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى