ياسر محمد محمود البشر يكتب… بيـن حلب النـملة وواقعنــا هل أدمنا تضخيم الذات!!
*منذ عقود والقصيدة السودانية تمارس دور المخدّر الموضعي لواقعنا المتأزم نعتلى المنابر وتنتفخ أوداجنا بالفخر ونردد بيقينٍ يحسدنا عليه الفلاسفة: نحن من نحلب النملة ونصرّر الأسد ونلاعب التمساح ونطوع النمر ونطوع المستحيل ولكن خلف هذا الضجيج البلاغى يطل سؤالٌ حارق برأسه إلى متى سنظل نقتات على بطولات لغوية بينما واقعنا يغرق في العادية إن لم نقل الانكسار*
*وعلى شواطئ فائض الفخر وعجز الفعل نهدر وقتنا ويمكن القول أن المعضلة ليست فى الشعر بحد ذاته فالخيال حق مشروع لكن الأزمة تكمن في النرجسية الجماعية التى جعلتنا نصدق استعاراتنا الشعرية ونعتبرها حقائق تاريخية نحن الشعب الذى يرى نفسه أكرم الناس وأشجع الناس وأذكى الناس بينما لغة الأرقام والمؤشرات الدولية في التنمية والتعليم والاستقرار تضعنا في مراتب لا تشبه أبداً تلك الصورة الأسطورية التى رسمناها لأنفسنا فى الدواوين*
*هذا التضخيم للذات تحول بمرور الوقت إلى عائقٍ نفسى فمن يحلب النملة في خياله يرى أن العمل اليومى البسيط وبناء المؤسسات أدنى من قاموسه البطولى لقد غرقنا في القول حتى جفّ الفعل وأصبحنا نملك رصيداً من الأناشيد يكفي لبناء قارة لكننا لا نملك خطة واحدة متفقاً عليها لبناء دولة سودانية واحدة موحدة*
*وسيكولوجية الهروب إلى الأمام لماذا نصرّ على هذه المبالغات الإجابة قد تكون فى الرغبة اللاشعورية للهروب من واقع مرير وعندما يعجز الواقع عن منحنا الفخر نختلقه بالكلمات نصرّر الأسد فى القصيدة لننسى أننا قد لا نملك قرارنا في الواقع إنها آلية دفاعية نفسية لكنها خديعة كبرى جعلتنا نعيش في فقاعة من العظمة المتخيلة نرفض معها الاعتراف بعيوبنا لأن الاعتراف بالعيب يتناقض مع صورة السوبر سودانى الذي لا يقهر*
*نحن ناس عاديون جدا وهذه هي الحقيقة الحقيقة التى يجب أن نواجهها بمرارة هى أننا ناس عاديون جداً لنا ما لنا من محاسن كالكرم الفطرى وطيبة المعشر وعلينا ما علينا من عيوب كالتسويف والاتكالية والصراع الدورى على السلطة لسنا أنصاف آلهة ولا نملك قدرات خارقة تتجاوز قوانين الفيزياء أو منطق التاريخ*
*آن الأوان أن ننزع عن كاهلنا عباءة الفخر الكاذب الكذوب إن الأمم لا تبنى بالقصائد العصماء التى تدعى حلب النمل بل تبنى بالعرق والاعتراف بالخطأ والعمل الصامت كفانا فخراً بما لا نفعل ولنبدأ بفعل ما يستحق الفخر فهل نملك الشجاعة الكافية لنحطم مرآة التضخيم ونرى وجوهنا الحقيقية في مرآة الواقع*
yassir. mahmoud71@gmail.com



