مقالات الظهيرة

(من أعلي المنصة) ياسر الفادني يكتب… بالجَنْبَة الفيها الحَدِيدة !!

زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى تركيا لا أعتقد انها زيارة عابرة فحسب او يمكن أن تمر مرور الكرام، بل حملت في تفاصيلها ورسائلها ما يكفي لإشعال الكثير من الأسئلة وإثارة كثير من القلق لدى خصوم السودان والمتربصين به

 

فعندما يستقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان البرهان في القصر الرئاسي بعبارة سودانية خالصة: (أهلاً وسهلاً.. عيدو مبارك)، ويرد البرهان: كل عام وأنتم بخير ، ثم يقف الزعيمان لالتقاط الصور التوثيقية وسط أجواء من الود والانشراح، فإن المشهد لا يحتاج إلى كثير من التفسير ، فاللغة هنا ليست مجرد كلمات، بل رسائل سياسية ودبلوماسية تعكس مستوى القبول والترحيب الذي حظيت به الزيارة من أعلى مستويات الدولة التركية

 

لكن هذا المشهد، على أهميته، ليس سوى الجزء الظاهر من الصورة، أما الجزء الأكثر أهمية فهو الجلسة المغلقة التي جمعت الزعيمين بحضور رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن ، وهنا تتجاوز الزيارة حدود المجاملات والبروتوكولات إلى فضاءات المصالح الاستراتيجية والتفاهمات العميقة، فمثل هذه اللقاءات لا تُرتب على عجل، ولا تُعقد من أجل تبادل التحايا، وإنما تُبنى عليها رؤى وشراكات وتفاهمات تتعلق بمستقبل العلاقات بين البلدين

 

من الواضح أن الزيارة جاءت نتيجة إعداد وتنسيق دقيق بين الخرطوم وأنقرة، وأن ما حمله البرهان في حقيبته لم يكن مجرد ملفات تقليدية، بل رؤى ومشروعات وشراكات ينتظر أن تنعكس على السودان في مجالات متعددة، سياسية واقتصادية وأمنية وتنموية

 

ولعل ما يؤكد عمق العلاقة بين الشعبين هو ما شهدته ولايات السودان خلال عيد الأضحى المبارك من حضور تركي إنساني لافت، عبر عشرات المشروعات الخيرية التي نفذتها منظمات تركية، وفي مقدمتها منظمة وقف الديانة التركية ومنظمة حسنة وغيرها من المؤسسات التي ظلت تمد يد العون للمحتاجين في مختلف أنحاء السودان، وهي جهود تعكس احتراماً حقيقياً يحمله الشعب التركي للشعب السوداني، وتؤكد أن العلاقة بين البلدين لا تقتصر على الحكومات، بل تمتد إلى وجدان الشعبين

 

المؤشرات كلها تقول إن المرحلة المقبلة ستشهد بصمات تركية واضحة في السودان، وإن ملامح هذا التعاون ستظهر تباعاً في ملفات عدة، بعضها ربما بدأ بالفعل خلف الأبواب المغلقة في أنقرة

 

أما الذين يعيشون على أرصفة السفارات الأجنبية، ويجوبون العواصم أكثر مما جاب ابن بطوطة الأرض، ويملأون الفضاء الإعلامي بالتحليلات والتكهنات، هذه الزيارة بالتاكيد : (أكلت فيهم جنبة حارة) !! فالمشكلة بالنسبة لهم أنهم لا يعرفون ماذا حمل البرهان في حقيبته إلى أنقرة، ولا ماذا عاد به منها، لذلك لن يجدوا أمامهم سوى إطلاق الخيال ونسج الروايات وبناء الاستنتاجات على أوهامهم المعتادة

 

سيحاولون التقليل من أهمية الزيارة، وسيحاولون تفسيرها وفق أمنياتهم لا وفق حقائقها، لكن الواقع يقول إن السودان يتحرك، وإن أبواباً جديدة تُفتح، وإن علاقات استراتيجية تتشكل بعيداً عن ضجيج المنصات وصخب المزايدات

 

إنها زيارة تؤكد أن السودان ليس معزولاً كما يتمنى أعداؤه، وأن الدبلوماسية السودانية قادرة على صناعة اختراقات مهمة في توقيت بالغ الحساسية، وهي في جوهرها رسالة سياسية ودبلوماسية واضحة مفادها أن الخرطوم تمتلك خياراتها، وتبني شراكاتها، وتدير مصالحها وفق ما يخدم شعبها ودولتها

وبينما كان البرهان يغادر أنقرة، كانت بعض الرؤوس في معسكر الخيانة والعمالة تتلقى وقع هذه الزيارة كضربة موجعة، وتشبة( الدقة بالجنبة الفيها الحديدة)!! علي الرأس الأقرع التي تصنع (دروخة اولا ومن ثم السقوط المدوي علي القفا ) ! و علي كل رأس من ظن أن السودان قد فقد أصدقاءه وأن أبواب العالم قد أُغلقت في وجهه

 

إني من منصتي أنظر …. حيث أري…. أن الأيام القادمة وحدها ستكشف حجم ما حملته تلك الحقائب، وحجم ما تركته هذه الزيارة من آثار ستتحدث عنها الوقائع أكثر مما تتحدث عنها البيانات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى