مقالات الظهيرة

إضراب المعلمين في السودان.. من الذي يرد الحقوق؟

الظهيرة – مجتبى ميرغني :

في كل مرة يعلن فيها المعلمون الدخول في إضراب، ينصرف كثير من الناس إلى الحديث عن أثر ذلك على الطلاب والامتحانات والعام الدراسي، وهو حديث مشروع ومفهوم، لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يسبق كل ذلك هو: لماذا يضرب المعلمون أصلاً؟ ومن المسؤول عن وصول العملية التعليمية إلى هذه المرحلة؟

 

المعلم هو حجر الزاوية في أي مشروع نهضوي، وهو أساس بناء الأجيال وصناعة المستقبل. غير أن الواقع الذي يعيشه المعلم السوداني اليوم يكشف عن فجوة كبيرة بين حجم الرسالة التي يؤديها وبين ما يحصل عليه من حقوق مادية ومعنوية. فالأجور المتدنية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتأخر الاستحقاقات المالية، وضعف بيئة العمل، كلها عوامل دفعت قطاعاً واسعاً من المعلمين إلى رفع صوته مطالباً بإنصافه.

 

لا يمكن النظر إلى الإضراب باعتباره مجرد تعطيل للعملية التعليمية، بل هو في جوهره رسالة احتجاج على أوضاع يرى أصحابها أنها لم تعد تحتمل. فالمعلم الذي يطالب بحقوقه لا يفعل ذلك بحثاً عن امتيازات استثنائية، وإنما سعياً إلى حياة كريمة تمكنه من أداء رسالته التربوية دون أن تثقل كاهله هموم المعيشة اليومية.

 

وفي المقابل، فإن الطلاب ليسوا طرفاً في هذا النزاع، لكنهم يدفعون جزءاً من ثمنه. ولذلك فإن استمرار الإضراب لفترات طويلة ينعكس سلباً على التحصيل الدراسي والاستقرار النفسي للطلاب، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد وما خلفته الحرب من تحديات كبيرة على قطاع التعليم.

 

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: من الذي يرد الحقوق؟ هل المعلم الذي يطالب بها؟ أم الجهة التي تملك سلطة اتخاذ القرار وتنفيذ الالتزامات؟

 

إن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الدولة بمؤسساتها المختلفة، باعتبارها الجهة المعنية بوضع السياسات المالية وتحسين شروط الخدمة ومراجعة الأجور بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي. كما أن من واجبها فتح قنوات حوار جادة مع ممثلي المعلمين والاستماع إلى مطالبهم والعمل على معالجتها وفق برنامج زمني واضح وشفاف.

 

إن معالجة قضية المعلمين لا ينبغي أن تتم بمنطق ردود الأفعال أو الحلول المؤقتة، بل عبر رؤية استراتيجية تعيد الاعتبار لمهنة التعليم وتضع المعلم في المكانة التي يستحقها. فالدول لا تبنى بالطرق والجسور وحدها، وإنما تبنى أولاً بالإنسان، والمعلم هو صانع هذا الإنسان.

 

لقد أثبتت التجارب أن تجاهل مطالب المعلمين لا يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان، بينما يفتح الحوار الصادق والتنفيذ الجاد للالتزامات الباب أمام الاستقرار واستئناف العملية التعليمية بصورة طبيعية. ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن طرف منتصر وآخر مهزوم، وإنما البحث عن حل يعيد للمعلم حقوقه ويحفظ للطالب حقه في التعليم.

 

وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها العاملون بالدولة عموماً، يصبح من الضروري أن تعمل الحكومة على مراجعة الحد الأدنى للأجور بما يتوافق مع متطلبات الحياة الحالية، وأن تنظر في تقديم حوافز ومنح مناسبة للعاملين، خاصة في المناسبات والأعياد، أسوة ببعض المؤسسات التي نجحت في تخفيف الأعباء عن موظفيها عبر منح مجزية أسهمت في تحسين أوضاعهم ولو جزئياً.

 

يبقى المعلم السوداني أحد أعمدة الوطن الأساسية، وأي إصلاح حقيقي للتعليم يبدأ من إنصافه. وعندما تُرد الحقوق إلى أصحابها، يصبح الحديث عن الإضراب جزءاً من الماضي، ويعود المعلم إلى فصله الدراسي متفرغاً لأداء رسالته النبيلة في بناء الأجيال وصناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى