(مع معزتي) عائد عبدالله يكتب… “نغنيلك”… حين يغدو الجرح نشيداً للوطن!!

ما برح الوطن يسكن سويداء قلوب أبنائه الأوفياء، عشقاً متجذراً لا تبليه الأيام، وأمانةً ثقيلةً لا تسقط بالتقادم. هو الشموخ الذي نفاخر به الأمم، وهو التاريخ الذي نستلهم منه مجدنا وهويتنا.
ولم تزل البسالة في الذود عن حياضه سمة الرجال الشرفاء، وعنوان أصالة المعدن ونقاء السريرة. فما أبهى الإقدام حين يعلو صوت النداء، وما أعظم التضحية حين يغدو التراب عرضاً مصوناً لا يقبل المساومة.
إن الوطن ليس خطوطاً على الخرائط، بل هو النبض الذي نحيا به، والحياة بكل ما نملك. ومن ثم يتضاعف واجبنا نحوه في الرخاء وفي الشدة: حراسة لسلامته، وصوناً لمقدساته، ودفاعاً عن ترابه، وترنيماً باسمه في المحافل.
*الشعراء: ضمير الأمة الناطق*
على مدار العصور كان الشعراء لسان حال الأمة ومرآة وجدانها. نحتوا من المفردات أسواراً للديار، وخلّدوا معاني الوفاء والتضحية والوحدة. رسموا صورة الانتماء بأبهى ألوانها، وذكّروا الأجيال بأن حب الوطن عقيدة، وأن الذود عنه من أشرف المآثر. بهم تحفظ الذاكرة، وبهم يظل الوطن حياً في الضمير وإن اشتدت الخطوب.
*نضال حسن الحاج: صوت ينبثق من عمق المأساة*
وفي سياق هذا الوجدان الوطني المتجدد، برزت قصيدة الشاعرة السودانية *نضال حسن الحاج* الموسومة بـ *”نغنيلك”*، لتؤكد أن الشعر ما زال فاعلاً، قادراً أن يكون سلاحاً وسلوى في آن.
وقد حظيت القصيدة بانتشار لافت منذ بثّها، واجتذب المقطع الذي أدته الشاعرة بدموع صادقة ونبرة مكلومة آلاف المشاهدات على منصات التواصل، لأنه خرج من أعماق الوجع فلامس القلوب.
وتقول الشاعرة:
> صحيح صوت الشعر مبحوح
> صحيح رحلت بلابل الدوح
> صحيح كل ما أذكر اسمك
> يسد حلق القصيد النوح
> *نوح لكن نغنيلك*
> منو غير شعبك الطيب
> بقعد ضيوفو بي حرم
> منو غير شعبك المسكين
> بضبح لي الضيوف بالدين
> ويغنيلك ويجر النم
> نغنيلك ولا حيموت صبرنا عليك
> نشيل حيلنا وتشيل حيلك
> يموت حيلنا وتشد حيلك
> نغنيلك وننزح لكن نغنيلك
> براك عارف الحمل راجيك
> وبنات الغني المرقن كريعاتن تزازيلك
> بغننك وأناشدنك
> عليك الله تشد حيلك
إن “نغنيلك” ليست مجرد قصيدة؛ إنها شهادة وجدانية على شعب يجمع بين الكرم رغم العوز، والصبر رغم الفجيعة. هي إقرار بالألم، وتمرد على اليأس، وإصرار على التغني بالوطن حتى في دروب النزوح.
لقد نجحت *نضال حسن الحاج* في أن تحول العامية إلى منبر فصيح للقضية، وأن تجعل من الدمعة جسراً للمعنى. قدمت أنموذجاً للشاعرة الملتزمة بقضايا وطنها، التي لا تقف عند المرثية، بل تبذر الأمل وتصرخ: “عليك الله تشد حيلك”.
*خاتمة: الأوطان لا يصونها إلا الأوفياء*
إن الانتماء الحق للوطن هو انتماء للقيم. ومن نكص عن واجبه فقد أضاع معنى الشرف والرجولة. وعند النوائب لا يُنادى إلا الصادقون، فلا موضع للمتخاذلين في سجل المجد.
حفظ الله الأوطان من مكر الماكرين، وأدام علينا نعمة الأمن والرخاء.
وتحية إجلال للشاعرة *نضال حسن الحاج* التي ذكرتنا بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن توقظ العزائم، وأن تحول النحيب إلى غناء، والجراح إلى عزيمة لا تلين.
*”نغنيلك”… لأننا رغم كل شيء، سنظل ننشد للوطن.*



