مقالات الظهيرة

مسيّرات الموت فوق السودان… حين تُختبر ضمائر العالم وتسقط أقنعة العدالة الدولية!!

 

رؤية وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

 

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي

 

الجزء الأول

 

مسيّرات الموت فوق السودان… حين تُختبر ضمائر العالم وتسقط أقنعة العدالة الدولية

 

ود الماحي تنزف، وأرواح الأبرياء تصعد إلى بارئها، والمؤسسات الدولية مطالبة بأن تثبت أن حياة الإنسان السوداني ليست أقل قيمة من حياة غيره.

 

ليست المأساة السودانية مجرد حربٍ تتنازع فيها البنادق، ولا معركةً تتبادل فيها المدافع مواقع القصف؛ إنها امتحانٌ أخلاقيٌّ عسيرٌ للإنسانية جمعاء، وانكشافٌ مؤلمٌ لحقيقة النظام الدولي الذي طالما رفع شعارات حماية المدنيين وصون حقوق الإنسان، ثم وقف عاجزاً، أو بدا كأن العجز اختياره، حين صار الدم السوداني يسيل على أرض السودان.

 

إنها حربٌ تتخذ فيها المأساة أشكالاً جديدة، وتحلّق فيها مسيّرات الموت فوق القرى الآمنة، فلا تفرّق بين مقاتلٍ ومدني، ولا بين بيتٍ متواضعٍ يأوي أسرةً فقيرة، ومرفقٍ حيويٍّ تقوم عليه حياة الناس، ولا بين امرأةٍ خرجت تبحث عن قوت أطفالها وطفلٍ لم يعرف من الدنيا سوى حضن أمه وحقه في الحياة.

 

وفي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بحسابات السياسة وموازين النفوذ ومصالح الدول، يدفع المواطن السوداني البسيط ثمن هذه الحسابات من دمه وبيته وأمنه ومستقبل أبنائه.

 

ود الماحي… قريةٌ صغيرة ووجعٌ أكبر من صمت العالم

 

بالأمس، لم تكن ود الماحي في إقليم النيل الأزرق رقماً عابراً في نشرات الأخبار، بل كانت أرضاً يسكنها بشرٌ لهم أحلامهم وأسرهم وأرزاقهم، ويبحثون عن الحد الأدنى من الأمان في وطنٍ أثقلته الحرب.

 

وفي التاسع من أكتوبر 2026، تناقلت تقارير إعلامية أن ضربةً بمسيّرة استهدفت منطقة أبو شنـدي في محلية ود الماحي، قرب موقع لإيواء النازحين، وأسفرت، وفق السلطات المحلية وجهات طبية وحقوقية، عن مقتل عشرات المدنيين، معظمهم من النساء والأطفال. ونُسب الهجوم إلى مليشيا الدعم السريع، فيما لم يصدر عنها تعليق فوري على الاتهامات بحسب التقارير المنشورة. كما أفادت تقارير بأن السلطات المحلية اتهمت بإطلاق المسيّرة من داخل الأراضي الإثيوبية، وهو اتهام يستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً لتحديد المسؤوليات والوقائع كاملة.

 

ولم تقف المأساة عند حدود الخسائر البشرية؛ فقد تحدثت مصادر محلية عن استهداف منشأة للمياه في المنطقة، بما يضاعف معاناة السكان الذين يواجهون أصلاً شحّ الخدمات ومشقة النزوح. [المصدر: الجزيرة، 9 أكتوبر 2026؛ سودان تريبيون، 9–10 أكتوبر 2026].

 

أيُّ ذنبٍ اقترفته هذه النساء؟ وأيُّ جريمةٍ ارتكبها الأطفال حتى تتحول أماكن بحثهم عن الرزق وملاجئهم من الخوف إلى ساحاتٍ للموت؟

 

وأيُّ قانونٍ أو عرفٍ أو ضميرٍ يمكن أن يبرر تحويل حياة النازحين إلى هدفٍ عسكري؟

 

إن ود الماحي ليست مجرد اسمٍ على خريطة النيل الأزرق؛ إنها جرحٌ مفتوحٌ في ضمير الإنسانية، وشهادةٌ جديدة على أن المدنيين السودانيين يُتركون في مواجهة أخطارٍ لا يملكون دفعها، بينما ينتظر العالم اكتمال المأساة كي يصوغ بيانات الأسف والإدانة.

 

إن دماء الأبرياء ليست مادةً للاستهلاك الإعلامي، وليست تفصيلاً صغيراً في حسابات التفاوض، وليست ثمناً مقبولاً لتعديل موازين القوة. إنها أرواحٌ حرّم الله قتلها، وحمتها القوانين الإنسانية، وتستوجب العدالة مهما كان الفاعل، ومهما كانت الجهة التي تقف وراءه.

 

مسيّرات الموت… سلاحٌ حديث وجريمةٌ قديمة

 

إن خطورة حرب المسيّرات لا تكمن في تطور التكنولوجيا العسكرية وحده، بل في إمكان تحويلها إلى أداةٍ لضرب المدنيين عن بُعد، دون مواجهةٍ مباشرة، ودون اكتراثٍ كافٍ بمن سيُقتل تحت حطام المنازل أو بين أنقاض المرافق المدنية.

 

فحين تُستخدم المسيّرات لاستهداف الأحياء السكنية، ومراكز إيواء النازحين، ومحطات المياه والكهرباء، والمستشفيات، والمدارس، وسائر الأعيان المدنية، فإن القضية تتجاوز حدود التفوق العسكري إلى سؤال المسؤولية القانونية والأخلاقية.

 

إن القانون الدولي الإنساني لا يمنح أي قوةٍ مسلحةٍ حصانةً لمجرد امتلاكها سلاحاً متطوراً، ولا يجعل بُعد المشغّل عن ساحة الضربة عذراً لإهدار أرواح الأبرياء. بل يوجب التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ويحظر الهجمات المتعمدة على المدنيين والأعيان المدنية، كما يفرض اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان.

 

ومن هنا، فإن كل هجومٍ تثبت فيه مخالفة هذه القواعد يجب أن يخضع للتحقيق والمحاسبة، دون انتقائيةٍ أو مجاملةٍ سياسية.

 

إننا لا نتحدث عن مواجهةٍ عسكريةٍ فحسب، بل عن قرى تُفجع، وأسرٍ تُباد آمالها، وأطفالٍ يُحرمون من آبائهم وأمهاتهم، ومجتمعاتٍ يُنتزع منها الشعور بالأمان. وعندما تصبح السماء التي ينتظر منها الناس المطر والرحمة مصدراً للموت، فإن مسؤولية العالم لا تقف عند تسجيل أعداد الضحايا، بل تبدأ من العمل على وقف القتل ومنع تكراره.

 

من أين تأتي المسيّرات؟ ومن يمدّ الحرب بأسباب استمرارها؟

 

هنا يبرز السؤال الذي لا يجوز للمجتمع الدولي أن يتهرب منه: من أين تحصل القوات التي تستخدم هذه المسيّرات على منظوماتها، وقطع غيارها، وذخائرها، وتقنياتها، ومعلومات تشغيلها؟ ومن يبيعها أو ينقلها أو يسهّل وصولها؟ وهل توجد شبكات إمدادٍ عابرة للحدود تمدّ الحرب بأدواتٍ جديدةٍ لقتل المدنيين؟

 

إن معرفة بلد المنشأ أو الشركة المصنعة أو الجهة التي باعت السلاح لا تكفي وحدها لإثبات المسؤولية عن جريمة بعينها؛ لكنّها تفتح أبواباً مشروعة للتحقيق في سلاسل التوريد، والتراخيص، والتحويلات، والجهات الوسيطة، ومدى الالتزام بالقانون الدولي.

 

ولا يجوز أن تتحول هذه الأسئلة إلى محظوراتٍ دبلوماسية، أو أن تُدفن تحت ركام المجاملات بين الحكومات. فإذا كانت هناك أدلةٌ على إطلاق مسيّراتٍ من داخل أراضي دولةٍ مجاورة، أو على وجود قواعد إمدادٍ أو تسهيلاتٍ لوجستيةٍ تُستخدم في الهجمات على السودان، فإن المطلوب تحقيقٌ مستقل، وتعاونٌ دولي، ومطالبةٌ رسميةٌ بكشف الحقائق، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون.

 

إن سيادة السودان ليست تفصيلاً قابلاً للتجاوز، وأمن حدوده ليس مسألةً هامشية، وحياة مواطنيه ليست مجالاً لتجارب السلاح أو تصفية الحسابات الإقليمية.

 

كما أن اتهام دولةٍ مجاورةٍ لا ينبغي أن يكون حكماً مسبقاً على شعبها أو ذريعةً لاستهداف المدنيين فيها؛ فالمطلوب هو تحديد المسؤولية بدقة، ومنع استخدام أراضي الدول في أعمالٍ تهدد أمن الجيران وتزيد معاناة الشعوب.

 

إن الدول التي تحترم القانون لا تخشى التحقيق، والدول التي تدّعي الحرص على السلام ينبغي أن تكون أول من يدعم كشف الحقيقة، لا أول من يطلب طيّ الملف.

 

الأمم المتحدة ومجلس الأمن… أين حماية المدنيين؟

 

لقد أُنشئت الأمم المتحدة بعد حربين عالميتين مدمّرتين، وكان من بين مقاصدها حماية الأجيال من ويلات الحروب، وتعزيز احترام حقوق الإنسان، والعمل على حفظ السلم والأمن الدوليين.

 

فكيف نفسر، أمام المواطن السوداني الذي يفقد أسرته تحت ضربات المسيّرات، الفجوة الواسعة بين هذه المبادئ النبيلة والنتائج المحدودة التي يلمسها على أرض الواقع؟

 

لقد أدانت الأمم المتحدة، بالفعل، الهجوم الأخير على موقع إيواء النازحين في ود الماحي، ودعت المنسقة المقيمة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، إلى المساءلة عن سقوط الضحايا. وهذا موقفٌ ينبغي البناء عليه، لا إنكاره. لكن الإدانة، على أهميتها، لا تعيد طفلاً إلى أمه، ولا تشيّد بيتاً تهدّم، ولا تضمن ألا تتكرر الضربة غداً.

 

[المصدر: سودان تريبيون، 11 أكتوبر 2026].

 

إن المطلوب من المنظمة الدولية أن تنتقل من لغة القلق إلى آليات الفعل: توثيق الجرائم، ودعم التحقيقات المستقلة، وتحديد المسؤولين، وتفعيل أدوات المساءلة، وممارسة الضغط اللازم لمنع تكرار الهجمات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين.

 

أما مجلس الأمن، فإن مسؤوليته لا تنتهي عند عقد الاجتماعات وصياغة البيانات. فحين تتكرر الاعتداءات على المدنيين وتتسع دائرة الدمار، يصبح من حق الشعب السوداني أن يسأل: ما الذي منع اتخاذ تدابير أكثر فاعلية؟ وما الذي يحول دون مساءلة الجهات التي تثبت مسؤوليتها؟ وهل باتت حياة الإنسان رهينةً لمصالح الدول دائمة العضوية وحساباتها السياسية؟

 

إن حق النقض، مهما كانت مكانته في بنية النظام الدولي، لا ينبغي أن يتحول إلى ستارٍ يحجب معاناة الشعوب، ولا إلى أداةٍ تجعل العدالة رهينةً لتوازنات المصالح.

 

إن السودان لا يطلب امتيازاً خارج القانون، ولا يستجدي شفقةً عابرة؛ إنه يطالب بتطبيق القواعد التي التزم بها العالم، وبحماية المدنيين الذين لا يحملون من السلاح سوى حقهم في الحياة.

 

فإذا كانت العدالة الدولية لا تستطيع حماية طفلٍ سوداني من مسيّرةٍ تستهدف ملجأه، فبأي وجهٍ تُقدَّم للعالم باعتبارها ضمانةً للإنسانية؟

 

كلمة أخيرة إلى ضمير العالم

 

يا أهل العالم، إن السودان ليس هامشاً منسياً في كتاب السياسة الدولية، وإن دماء أبنائه ليست أقل حرمةً من دماء ضحايا الحروب في أي بقعةٍ أخرى من الأرض.

 

إننا لا نطلب من العالم أن ينحاز إلى السودانيين لأنهم سودانيون، بل نطالبه أن ينحاز إلى الحق لأن الحق لا جنسية له، وإلى المدنيين لأن الإنسانية لا تتجزأ، وإلى القانون لأن سقوطه في بلدٍ واحد يهدد الجميع.

 

وإن ود الماحي، بأرواح أبنائها الذين سقطوا وبأسرها التي تنتظر العدالة، ستظل شاهداً على أن الكلمات لا تكفي، وأن الصمت لا يوقف المسيّرات، وأن البيانات لا تحمي البيوت، وأن التاريخ لا ينسى من استطاع أن يفعل شيئاً ثم اختار أن يكتفي بالمشاهدة.

 

رحم الله شهداء السودان، وجبر كسر أسرهم، وحفظ شعبنا من شرور الحرب، وألهم العالم ضميراً يقظاً لا ينام على أنين المظلومين.

 

يتبع في الجزء الثاني: واشنطن وازدواجية المعايير… هل تُقدَّم الهدنة على العدالة، ويُترك الضحايا بلا إنصاف؟

 

—

 

رؤية وطنية — نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

 

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي

 

البريد الإلكتروني: abuobidaabass949@gmail.com

 

الهاتف: 00201147373693

 

الهاتف: 00201096351339

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى