مقالات الظهيرة

لواء ركن (م) يونس محمود محمد يكتب… محاولة الانقلاب في النيجر: هل أصبحت البلاد واجهة للصراع بين الغرب وروسيا؟

مقدمة

تحتل جمهورية النيجر موقعاً جغرافياً واستراتيجياً بالغ الأهمية في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، فهي دولة شاسعة المساحة تبلغ نحو 1.27 مليون كيلومتر مربع، وتغلب الصحراء على معظم أراضيها. كما أنها دولة حبيسة، تحدها ليبيا والجزائر ومالي وبوركينا فاسو وبنين ونيجيريا وتشاد.

وقد خضعت النيجر للاستعمار الفرنسي منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى استقلالها عام 1960م، وظلت منذ الاستقلال تعاني من هشاشة سياسية متكررة، وانقلابات عسكرية، وأزمات اقتصادية وأمنية، فضلاً عن تنامي نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل.

وتكتسب النيجر أهمية إضافية من ثرواتها الطبيعية، وعلى رأسها اليورانيوم والنفط والذهب. وقد ظل اليورانيوم بصورة خاصة أحد أبرز عناصر العلاقة بين النيجر وفرنسا، إذ ارتبطت به مصالح اقتصادية واستراتيجية فرنسية واسعة، كان من أبرز أدواتها شركة Orano، التي ورثت نشاط شركة «أريفا» الفرنسية في قطاع اليورانيوم.

ومن هنا، فإن الأزمة النيجرية لا يمكن قراءتها باعتبارها صراعاً داخلياً على السلطة فقط، وإنما في إطار أوسع تتقاطع فيه الأزمة السياسية والأمنية الداخلية مع التنافس الدولي على النفوذ والموارد والمواقع الاستراتيجية في منطقة الساحل.

أولاً: النيجر بين هشاشة الداخل وأهمية الموقع

ظلت منطقة الساحل الأفريقي واحدة من أكثر مناطق العالم تعرضاً للتداخل بين الفقر والهشاشة السياسية والإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والتنافس الدولي.

وتحتل النيجر موقعاً محورياً في هذه المعادلة؛ فهي تقع في منطقة تربط شمال أفريقيا بوسطها وغربها، وتشكل ممراً مهماً لحركة السكان والتجارة والهجرة، كما أنها تقع بالقرب من مناطق نشاط تنظيمات مسلحة مرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش».

وقد أدى تدهور الوضع الأمني، ولا سيما في المناطق الغربية والجنوبية الغربية، إلى زيادة الضغوط على المؤسسة العسكرية، التي تتحمل العبء الأكبر في مواجهة الجماعات المسلحة.

وهذه النقطة مهمة لفهم محاولة التمرد الأخيرة؛ فالمعلومات المتاحة عن أحداث 29 أغسطس 2026 تشير إلى أن عدداً من المشاركين فيها كانوا من وحدات مرتبطة بمناطق تشهد مواجهات وخسائر بشرية كبيرة، ما يعزز فرضية وجود أسباب عسكرية ومؤسسية داخلية إلى جانب أي أبعاد إقليمية أو دولية محتملة.

ثانياً: انقلاب يوليو 2023

الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم ، وكان الجنرال عبد الرحمن تياني، قائد الحرس الرئاسي آنذاك، في مقدمة الضباط الذين أطاحوا بالرئيس المنتخب محمد بازوم، وأعلن بعد ذلك قيام المجلس الوطني لحماية الوطن «CNSP». وقد أكدت الولايات المتحدة رسمياً لاحقاً أن ما جرى كان انقلاباً عسكرياً.

ومنذ ذلك التاريخ دخلت النيجر مرحلة إعادة تموضع استراتيجي واضحة، بدأت بتدهور العلاقات مع فرنسا، ثم انسحاب القوات الفرنسية، وتراجع التعاون الأمني مع الدول الغربية، بالتزامن مع انفتاح متزايد على روسيا وشركاء آخرين.

وقد اكتمل الانسحاب العسكري الفرنسي من النيجر في نهاية عام 2023، بعد أن كانت فرنسا تنشر أكثر من 1,500 جندي في البلاد.

وبذلك لم يكن الانقلاب مجرد تغيير في رأس السلطة، بل أصبح نقطة تحول في التحالفات الأمنية والسياسية والجيوسياسية للنيجر.

ثالثاً: اليورانيوم من الثروة الوطنية إلى ورقة في الصراع الدولي

يمثل اليورانيوم أحد أهم عناصر الأهمية الاستراتيجية للنيجر. وقد ظلت شركة «أورانو» الفرنسية حاضرة في قطاع التعدين لعقود، قبل أن تتدهور علاقاتها مع السلطة العسكرية الجديدة.

وفي يونيو 2025م أعلنت السلطات النيجرية تأميم شركة Somaïr، التابعة لأورانو، في خطوة جسدت بصورة واضحة اتجاه السلطة الجديدة إلى إعادة النظر في امتيازات الشركات الأجنبية والسيطرة الوطنية على الموارد الطبيعية.

وهنا برز العامل الروسي.

فمع تراجع الدور الفرنسي، بدأت موسكو في توسيع اتصالاتها مع دول الساحل، ليس فقط في المجال العسكري، وإنما أيضاً في التعدين والطاقة والاستثمار. وظهرت تقارير عن اهتمام روسي بالحصول على كميات من مخزون اليورانيوم النيجرى الذي كان مرتبطاً بنشاط أورانو،ومن ثم، فإن اليورانيوم لا يمثل مجرد مورد اقتصادي، وإنما يمكن أن يتحول إلى أداة تفاوض جيوسياسية بين النيجر والقوى الدولية المتنافسة على النفوذ في الساحل.

رابعاً: تراجع النفوذ الفرنسي وصعود الحضور الروسي

لم يكن خروج فرنسا من النيجر حدثاً منفرداً، بل جاء في سياق أوسع شهد تراجع النفوذ الفرنسي في دول الساحل، خاصة مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

وفي المقابل، عملت روسيا على ملء جزء من الفراغ الذي خلفه الانسحاب الغربي، مستفيدة من خطاب سياسي يقوم على دعم «السيادة الوطنية» ورفض الوصاية الخارجية، إلى جانب تقديم التعاون العسكري والأمني.

وتُعد Africa Corps إحدى الأدوات الرئيسية للحضور الروسي الجديد في المنطقة.

وقد اكتسب هذا العامل أهمية استثنائية في أحداث 29 أغسطس 2026؛ إذ أفادت تقارير وكالة أسوشيتد برس بأن عناصر روسية تابعة لـAfrica Corps ساعدت القوات الموالية للسلطة النيجرية في استعادة السيطرة على القاعدة الجوية 101 في نيامي، فيما تحدثت تقارير أخرى عن طلب المساعدة الروسية لاحتواء التمرد.

وهنا تبرز دلالة سياسية بالغة الأهمية:

إذا صح استمرار هذا النمط من التدخل الروسي المباشر في حماية السلطة العسكرية، فإن موسكو لا تعود مجرد شريك أمني للنيجر، وإنما تصبح جزءاً من منظومة حماية النظام السياسي القائم.

خامساً: محاولة 29 أغسطس 2026 — انقلاب داخلي أم امتداد لصراع أوسع؟

في الساعات الأولى من يوم السبت 29 أغسطس 2026 شهدت العاصمة نيامي إطلاق نار وانفجارات استهدفت مواقع حساسة، من بينها محيط القصر الرئاسي، ووسائل الإعلام الرسمية، وقاعدة 101 العسكرية في مطار ديوري حماني الدولي.

وأعلنت السلطات أن قواتها استعادت السيطرة تدريجياً على المواقع المستهدفة، فيما تحدثت تقارير لاحقة عن اعتقال عدد من العسكريين المشاركين في التمرد.

وتشير المعطيات الأولية إلى أن المحاولة كانت ذات منشأ عسكري داخلي، وأن من دوافعها المحتملة الاستياء من الخسائر التي تتكبدها القوات الحكومية في مواجهة الجماعات المسلحة، وضعف الأوضاع الميدانية والمعيشية لبعض العسكريين، والتوتر داخل المؤسسة العسكرية.

لكن ذلك لا يمنع من طرح البعد الجيوسياسي للسؤال.

فالنيجر أصبحت منذ انقلاب 2023 إحدى أهم ساحات إعادة توزيع النفوذ في الساحل؛ وفرنسا خسرت جزءاً كبيراً من حضورها، بينما أصبحت روسيا شريكاً أمنياً وسياسياً متنامياً.

ومن ثم فإن أي اضطراب داخلي في النيجر يمكن أن يتحول سريعاً إلى مشكلة إقليمية ودولية، خصوصاً إذا أدى إلى تغيير السلطة أو إعادة توجيه تحالفاتها الخارجية.

سادساً: اللغة والثقافة بوصفهما جزءاً من إعادة التموضع

لم يقتصر التحول في النيجر على الجانب العسكري والاقتصادي، بل امتد إلى المجال الثقافي واللغوي.

فبموجب ميثاق إعادة التأسيس الوطني الصادر في مارس 2025، أصبحت اللغة الهوسا اللغة الوطنية، بينما أصبحت الفرنسية والإنجليزية لغتي عمل، في خطوة تعكس الرغبة في إعادة تعريف الهوية الوطنية وعلاقة الدولة بماضيها الاستعماري.

وهذه الخطوة، وإن كانت رمزية في ظاهرها، الا انها تحمل مضموناً سياسياً واضحاً؛ إذ إن اللغة كانت لعقود إحدى أهم أدوات النفوذ الثقافي الفرنسي في مستعمراتها السابقة.

وبالتالي، فإن الصراع على النفوذ في النيجر لا يدور حول القواعد العسكرية والمناجم والأسواق فقط، بل يمتد أيضاً إلى سؤال: من يحدد هوية الدولة، وشركاءها، ومصادر معرفتها، وخطابها السياسي؟

سابعاً: البعد الإقليمي — تحالف دول الساحل

لا يمكن فهم التحولات في النيجر بمعزل عن مالي وبوركينا فاسو.

فالدول الثلاث، التي يحكمها عسكريون، أسست إطاراً إقليمياً جديداً هو تحالف دول الساحل (AES)، واتجهت إلى تقليص اعتمادها على المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس»، وصولاً إلى الخروج منها.

وهذا التطور يعني أن الصراع لم يعد محصوراً داخل حدود النيجر، بل أصبح جزءاً من إعادة تشكيل النظام الإقليمي في غرب أفريقيا.

وقد يؤدي نجاح هذا النموذج إلى ظهور كتلة سياسية وأمنية جديدة في الساحل أقل ارتباطاً بالمؤسسات الغربية التقليدية، وأكثر انفتاحاً على روسيا وغيرها من القوى الصاعدة.

ثامناً: أين يقف الغرب؟

من الخطأ اختزال الموقف الغربي في فرنسا وحدها.

فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أوروبية أخرى لها مصالح أمنية واستراتيجية في الساحل، ترتبط بمكافحة الإرهاب والهجرة والطاقة والأمن الإقليمي.

كما أن خسارة النيجر تمثل بالنسبة للغرب خسارة موقع استراتيجي في منطقة شديدة الحساسية.

عودة النفوذ الغربي يمكن أن تكون عبر عمل عسكري غير مباشر. أو تتخذ أشكالاً أخرى، مثل:

الضغط السياسي والدبلوماسي.

العقوبات الاقتصادية.

دعم المسارات المدنية والدستورية.

التعاون الاستخباراتي مع دول الجوار.

استخدام المؤسسات الإقليمية والدولية.

إعادة بناء الشراكات الأمنية بصورة مختلفة لاعادة تشكيل النفوذ ، ولحرمان المنافسين خاصة روسيا من هذه الامتيازات الجيوسياسية .

تاسعاً: هل روسيا بديل عن الغرب أم قوة منافسة له؟

و هل تستطيع موسكو بناء نموذج نفوذ مستدام في الساحل؟

فروسيا تستطيع تقديم السلاح والتدريب والدعم الأمني، وتملك قدرة سياسية على التعامل مع الحكومات العسكرية التي تواجه ضغوطاً غربية.

لكن النفوذ المستدام يحتاج أيضاً إلى استثمارات، وبنية تحتية، وتكنولوجيا، وأسواق، وخدمات، وقدرة على تحقيق نتائج ملموسة في مكافحة الإرهاب وتحسين حياة السكان.

ومن هنا فإن نجاح روسيا في الساحل لن يقاس فقط بعدد الجنود أو عناصر Africa Corps الموجودة على الأرض، وإنما بقدرتها على تحويل الحضور العسكري إلى شراكة اقتصادية وسياسية طويلة الأمد .

عاشراً: البعد السوداني والإقليمي :

هنالك حديث عن علاقات بين الرئيس السابق محمد بازوم وقائد قوات الدعم السريع في السودان محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وعن دعم مالي مباشر لحملته الانتخابية ، وأن هناك ثمة تنسيق بين مكونات القبائل العربية في الغرب الافريقي لمشاركة السلطة والنفوذ في هذه الدول . وقد شارك آلاف المرتزقة من النيجر في القتال الى جانب قوات الدعم السريع في السودان .

الحادي عشر: محاولة الانقلاب ومأزق الحكم العسكري

تكشف محاولة 29 أغسطس 2026 عن مفارقة عميقة.

فالسلطة العسكرية وصلت إلى الحكم عام 2023 بدعوى استعادة الأمن والسيادة الوطنية، لكن استمرار الهجمات المسلحة والخسائر في صفوف القوات يمكن أن يتحول إلى مصدر تهديد مباشر للنظام نفسه.

الاستنتاجات

يمكن استخلاص عدد من النتائج الرئيسية من المشهد النيجرى الراهن:

1. النيجر أصبحت بالفعل إحدى أهم ساحات التنافس الدولي في الساحل الأفريقي.

لكن هذا التنافس لا يفسر وحده كل ما يجري؛ فالأزمة الداخلية، والإرهاب، وضعف المؤسسات، والصراع على السلطة عوامل أساسية أيضاً.

2. محاولة 29 أغسطس 2026 تكشف عن وجود هشاشة داخلية في المؤسسة العسكرية.

3. العامل الأمني هو نقطة الضعف الرئيسية للنظام الحالي.

4. روسيا حققت مكاسب استراتيجية واضحة في النيجر والساحل، لكنها لم تنتصر في الصراع على النفوذ بصورة نهائية.

5. الموارد الطبيعية أصبحت جزءاً من معركة السيادة.

6. التراجع الفرنسي لا يعني انتهاء النفوذ الغربي.

7. تحالف دول الساحل يمثل تحولاً مهماً في النظام الإقليمي لغرب أفريقيا.

8. استمرار الحكم العسكري قد يخلق حلقة مفرغة.

9. الشعوب الأفريقية هي الطرف الأكثر تعرضاً للخسائر في صراع النفوذ الدولي.

10. مستقبل النيجر لن تحدده موسكو أو باريس أو واشنطن وحدها.

العامل الحاسم سيظل قدرة النخب والمؤسسات النيجرية على بناء دولة ذات سيادة، ومؤسسات عسكرية وأمنية مهنية، ونظام سياسي قادر على إدارة التنوع والصراعات الداخلية.

خاتمة

تكشف أحداث النيجر في 29 أغسطس 2026 أن الصراع على أفريقيا لم يعد صراعاً تقليدياً على المستعمرات أو القواعد العسكرية، وإنما أصبح صراعاً مركباً على الموقع والموارد والأسواق والأمن والهوية والتحالفات السياسية.

فالنيجر تقف اليوم عند تقاطع ثلاثة مسارات متداخلة: أزمة داخلية تبحث عن الاستقرار، وتنافس إقليمي على قيادة الساحل، وصراع دولي على النفوذ بين الغرب وقوى صاعدة في مقدمتها روسيا.

ومع ذلك يبقى جوهر المشكلة داخليا متمثلا في: هشاشة المؤسسات، وضعف التنمية، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتنامي الجماعات المسلحة، وتراجع الثقة في النخب السياسية والعسكرية.

أما القوى الدولية، فإنها تستثمر في هذه الهشاشة وتعمل على توظيفها لمصالحها.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

فإذا تحولت أفريقيا إلى مسرح لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، فإن القواعد العسكرية ستتغير، والشركات ستتبدل، والشعارات السياسية ستتغير، لكن المواطن الأفريقي سيظل يدفع الثمن.

إن غياب نظام دولي قادر على فرض قواعد عادلة، وتراجع فاعلية المؤسسات الدولية والإقليمية في معالجة جذور الأزمات، يفتح المجال أمام منطق القوة والمصالح، ويجعل الدول الأضعف أكثر عرضة للتحول إلى ساحات للصراع بالوكالة.

ومن ثم، فإن الدرس الأهم من النيجر لا ينبغي أن يكون: من انتصر، روسيا أم الغرب؟

بل ينبغي أن يكون:

كيف تستطيع الدول الأفريقية أن تتحول من ساحات للتنافس الدولي إلى أطراف فاعلة في صياغة مصالحها، بحيث تستثمر ثرواتها لمصلحة شعوبها، وتحافظ على سيادتها، وتبني مؤسساتها، وترفض في الوقت نفسه أن تكون أداة في صراعات القوى الكبرى؟

فالسيادة الحقيقية لا تتحقق بتغيير الشريك الخارجي فقط، ولا باستبدال علم دولة بعلم دولة أخرى، وإنما تتحقق عندما تصبح الدولة قوية بمؤسساتها، واقتصادها، وجيشها الوطني، وعدالة نظامها السياسي، وقدرتها على حماية مصالح شعبها في عالم تتصارع فيه القوى على النفوذ والثروة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى