مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب…. الاقتصاد إدارة… وليست رجالة

كلما خرج مسؤول حكومي مهدداً تجار العملة، ومتوعداً بالمطاردات والملاحقات، أشعر بالرثاء لحاله قبل أن أشعر بالغضب من تصريحاته.

 

لأن السؤال البسيط الذي يجب أن يطرح نفسه هنا هو: هل تجارة العملة هي التي صنعت الأزمة الاقتصادية، أم أن الأزمة الاقتصادية هي التي صنعت تجارة العملة؟

 

تجارة العملة ليست المرض… إنها الحُمّى التي تكشف وجود المرض.

 

أما المرض الحقيقي فهو اقتصاد مختل، وسياسات مرتبكة، وإدارة لا تستخدم الأدوات المتاحة أمامها، فتبحث عن شماعة تعلق عليها فشلها.

 

الدولة التي تملك بنكاً مركزياً، ووزارة مالية، وموارد طبيعية هائلة، وأراضي زراعية، وثروة حيوانية، وذهباً، وموانئ، وعلاقات إقليمية ودولية، لا ينبغي أن يكون أقصى ما تفعله عندما ينهار سعر عملتها هو مطاردة تاجر العملة!

هذه ليست إدارة اقتصاد… هذه محاولة لمعالجة الحريق بمطاردة الدخان.

 

المطاردات، والتهديدات، ومراقبة الحسابات، وإغلاق المحال، والقبض على تجار العملة قد تصنع ضجيجاً إعلامياً، لكنها لا تصنع اقتصاداً قوياً، ولا توفر دولاراً واحداً لخزينة الدولة.

 

الدول لا تدير اقتصادها بالعضلات… وإنما بالأرقام والسياسات والأدوات.

 

انظروا إلى أصل المشكلة.

 

صادرات السودان تدور في حدود 4 مليارات دولار، بينما تقترب فاتورة الاستيراد من 14 مليار دولار.

 

فكيف تريد من سوق العملة أن يستقر، وأنت تسمح باستمرار هذه الفجوة الهائلة بين ما يدخل البلاد من عملة صعبة وما يخرج منها؟

 

هل يحتاج الأمر إلى عبقرية اقتصادية حتى ندرك أن علاج المشكلة يبدأ من زيادة الصادرات وتقليل فاتورة الاستيراد، وليس من مطاردة من يبيع ويشتري الدولار؟

 

خذوا الذهب نموذجاً صارخاً.

 

بلد ينتج الذهب، ثم يسمح بتسرب جزء كبير منه خارج النظام الرسمي، وبعد ذلك يبحث عن تجار العملة ليلومهم على شح النقد الأجنبي!

 

إذا كان الذهب، وفق التقديرات المتداولة، يصل إنتاجه إلى نحو 100 طن سنوياً على أقل الفروض، وكان التعدين الأهلي يستحوذ على النسبة الأكبر من الإنتاج، فأين السياسة التي تجعل هذا الذهب يدخل الدورة الاقتصادية الرسمية؟

 

أين المجلس الأعلى للذهب الذي يضع سياسة متكاملة للقطاع، من الإنتاج والتصفية والتسويق وحتى التصدير؟

 

بدلاً من ذلك، ما زالت الدولة عالقة في جدلية عقيمة:

 

هل نحتكر الذهب؟ أم نتركه للقطاع الخاص؟

 

والإجابة ببساطة: لا هذا ولا ذاك.

 

ضعوا نظاماً ذكياً يجعل الدولة شريكاً مستفيداً، ويضمن للمنتج سعراً عادلاً، ويمنح القطاع الخاص مساحة للعمل، ويجعل التهريب أقل جاذبية من البيع الرسمي.

 

هذه هي الإدارة.

 

وقِس على ذلك الزراعة والثروة الحيوانية والمعادن والصناعة والصمغ العربي وغيرها.

 

السودان لا يعاني من الفقر في الموارد… السودان يعاني من فقر الإدارة.

 

لدينا ما يكفي من الموارد لإنتاج العملة الصعبة، ولكننا نفتقر إلى السياسات التي تحول هذه الموارد إلى عائدات تدخل خزينة الدولة والبنوك والأسواق الرسمية.

 

ولدينا دول صديقة يمكن أن ننتقل معها من علاقات سياسية ومجاملات دبلوماسية إلى شراكات اقتصادية حقيقية وتبادل سلعي واستثمارات مشتركة، ومجلس التنسيق السوداني السعودي نموذج يمكن البناء عليه بدلاً من الاكتفاء بالبيانات والاجتماعات.

 

ثم يأتي المسؤول ليقول لك: سنطارد تجار العملة!

 

يا سعادة المسؤول… قبل أن تطارد تاجر العملة، طارد أسباب تجارة العملة!

 

قبل أن تراقب حساب المواطن، راقب حسابات الاقتصاد نفسه:

 

كم دخل من الدولار؟

 

وكم خرج؟

 

كم صدرنا؟

 

وكم استوردنا؟

 

كم ذهباً أنتجنا؟

 

وكم منه دخل النظام المصرفي؟

 

كم استثماراً أجنبياً جذبنا؟

 

وكم تحويلات دخلت عبر القنوات الرسمية؟

 

هذه هي الأسئلة التي تصنع سياسة نقدية واقتصادية، وليست مطاردة رجل يقف في سوق ويبيع الدولار.

 

لا يمكن أن تبني اقتصاداً قوياً بالخوف.

 

ولا يمكن أن تحمي العملة الوطنية بالبيانات النارية.

 

ولا يمكن أن تعالج اختلالات الاقتصاد بـ«الرجالة».

 

الاقتصاد علم وإدارة.

 

وإذا أُدير الاقتصاد السوداني بالعقول الاقتصادية، ووُظفت موارد البلاد وأدوات الدولة بكفاءة، فسوف يتراجع سوق العملة من تلقاء نفسه.

 

أما أن تفشل في توفير الدولار، ثم تطارد من يوفره للناس في السوق الموازي، فهذه ليست معالجة للأزمة…

 

هذه مطاردة للعرض، وتركٌ للمرض.

 

يا سادة…

 

اتركوا العنتريات جانباً، وأديروا الاقتصاد.

فالدولار لا يخاف من التهديد… وإنما يستجيب للسياسات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى