د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… هل تكون هذه فرصة لتنظيم وتقنين التعدين الأهلي؟

موت المعدّنين في الصحراء ليس مجرد حادث عابر.. بل جرس إنذار يستوجب مراجعة هذا القطاع قبل أن تتكرر المأساة.
ما حدث في مناطق التعدين بالولاية الشمالية، من ضربات جوية أودت بحياة عشرات المعدّنين، يفتح الباب أمام أسئلة مهمة لا يجوز تجاوزها أو الاكتفاء بالحزن على الضحايا ثم طيّ الصفحة، وكأن شيئاً لم يكن.
إنها مأساة إنسانية، لكنها في الوقت نفسه ناقوس خطر يدق بقوة، ويضع أمام الحكومة ووزارة المعادن مسؤولية مراجعة واقع التعدين الأهلي، الذي يعمل قطاع واسع منه في ظروف بالغة الخطورة، وفي مناطق صحراوية نائية، وسط تساؤلات مشروعة عن مستوى الإشراف والرقابة والحماية.
أين كانت وزارة المعادن؟
هل كانت الوزارة على علم بهذه المواقع؟ وهل كانت الجهات المختصة تعرف طبيعة النشاط الذي يجري فيها وأعداد العاملين به؟ وما الإجراءات التي اتخذتها بعد الحادثة السابقة التي تعرضت لها المنطقة نفسها؟
هذه هي المرة الثانية التي تتعرض فيها المنطقة لضربات جوية، بحسب المعلومات المتداولة. وإذا كانت المرة الأولى قد كشفت حجم المخاطر، فإن تكرار الحادثة يفرض سؤالاً أكثر إلحاحاً: ما الذي جرى بعد الحادثة الأولى؟ وهل وُضعت تدابير لتقليل المخاطر وحماية أرواح العاملين؟
إن تكرار المأساة يستوجب مراجعة جادة للإجراءات المتخذة، ومدى فاعليتها، ومحاسبة كل جهة يثبت تقصيرها في حدود مسؤوليتها. فالأرواح التي تُزهق ليست أرقاماً في نشرة أخبار، والشباب الذين يذهبون إلى الصحراء بحثاً عن الرزق ليسوا وقوداً لمغامرة مفتوحة بلا ضوابط.
قطاع ينتج الذهب.. فمن يرعاه ويحمي العاملين فيه؟
تشير تقديرات متداولة إلى أن التعدين الأهلي يسهم بنحو 85% من إنتاج الذهب السوداني. وإذا صحّت هذه النسبة، فنحن أمام قطاع اقتصادي بالغ الأهمية، لا يجوز أن يظل نشاطه بعيداً عن التنظيم الفاعل والإشراف المباشر وتوفير الحد الأدنى من الحماية والخدمات.
كيف نعتمد على هذا القطاع في إنتاج الذهب وتوفير النقد الأجنبي، ثم نترك العاملين فيه يواجهون قسوة الصحراء ومخاطر العمل وحدهم؟
وأين دور الشركة السودانية للموارد المعدنية في تنظيم هذا النشاط، وحصر مواقع التعدين، وتسجيل المعدّنين، وتحديد المسؤوليات، وتوفير الخدمات الأساسية، ووضع اشتراطات واضحة للسلامة؟
إن تنظيم التعدين الأهلي لا يعني محاربة المعدّنين أو إغلاق أبواب الرزق أمامهم، بل يعني الانتقال بهم من النشاط الفردي المحفوف بالمخاطر إلى نشاط منظم يحفظ حقوقهم، ويرفع إنتاجيتهم، ويزيد عائد الدولة من الذهب.
من المغامرة الفردية إلى الجمعيات والشركات
لقد دفعت الظروف الاقتصادية الصعبة آلاف الشباب إلى التوجه نحو مناطق التعدين، وتحمل مشاق السفر والعيش في الصحراء، أملاً في تحسين أوضاعهم وتأمين مستقبل أسرهم.
هؤلاء لا يذهبون إلى هناك رغبة في الموت، بل بحثاً عن الحياة الكريمة. ولا ينبغي أن تكون نهاية رحلة البحث عن الرزق جثة تُنقل إلى ذويها، أو اسماً عابراً في شريط الأخبار.
ولهذا، فإن المطلوب تحرك حكومي عاجل، يبدأ بحصر مواقع التعدين والمعدّنين، ومراجعة المخاطر الأمنية المحيطة بها، وتحديد المواقع التي يمكن استمرار العمل فيها بأمان، ووضع ترتيبات واضحة لإيقاف النشاط في المواقع التي يتعذر ضمان سلامة العاملين فيها.
كما ينبغي تنظيم المعدّنين في جمعيات تعاونية أو شركات صغيرة، بما يسهل تسجيلهم والإشراف عليهم وتقديم الخدمات لهم، وتوفير وسائل الاتصال والإسعاف والإمداد، والتوعية بمخاطر العمل، ووضع خطط للاستجابة للطوارئ بالتنسيق مع الجهات المختصة.
ولا بد من إنشاء قاعدة بيانات دقيقة لمواقع التعدين والعاملين فيها، وربطها بآليات إنذار مبكر وإجراءات واضحة للتعامل مع المخاطر، حتى لا يظل المعدّن آخر من يعلم بما قد يهدد حياته.
الحكومة.. تحركوا قبل أن تتكرر المأساة!
إننا لا نطالب الحكومة بمستحيل، بل نطالبها بالقيام بواجبها تجاه مواطنين يسهمون في إنتاج ثروة وطنية تحتاجها البلاد في هذه الظروف الاستثنائية.
التعدين الأهلي ليس مجرد حفر في باطن الأرض، بل هو مورد رزق لآلاف الأسر، ومصدر مهم للذهب، وفرصة يمكن أن تسهم في تعافي الاقتصاد إذا أُحسن تنظيمها وإدارتها.
على الحكومة أن تتحرك اليوم قبل الغد، وأن تجعل حماية المعدّنين وتنظيم نشاطهم أولوية عاجلة، لا مجرد وعد جديد يُنسى بعد انحسار الاهتمام الإعلامي.
نريد ذهباً ينعش الاقتصاد، لا ذهباً تُدفع في سبيله أرواح الشباب.
نريد معدّناً يعود إلى أسرته سالماً غانماً، وشاباً يبني مستقبله بعرق جبينه، وقطاعاً منظماً يرفد خزينة الدولة ويحفظ كرامة العاملين فيه.
فهل تكون هذه المأساة بداية إصلاح حقيقي، أم ننتظر حادثة ثالثة حتى نكتشف مرة أخرى أن التنظيم كان ضرورة، وأن حماية الأرواح لا تحتمل التأجيل؟



