الأخبار الاقتصادية

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… تعافي القطاع الخاص… أم إعادة إنتاج الفشل؟

تابعت مؤتمر التعافي بشأن القطاع الخاص السوداني، ونتمنى أن يكون هذا المؤتمر بداية فعلية لمرحلة جديدة، لا مؤتمرًا آخر ينتهي بالتوصيات ثم تُحفظ في الأدراج.

 

نحن نعوّل كثيرًا على القطاع الخاص في المرحلة الحالية والقادمة، فهو في كل الدول محرك أساسي للإنتاج والاستثمار وفرص العمل، وله أدوار مهمة في المسؤولية المجتمعية ودعم الشرائح الضعيفة.

 

لكن دعونا نكون أكثر صراحة:

 

ما الذي نريد أن يتعافى؟

 

هل نريد أن يتعافى القطاع الخاص ليعود إلى نفس الممارسات التي أوصلتنا إلى اقتصاد يعتمد على الاستيراد حتى في أبسط احتياجاته؟ أم نريده أن يتعافى ليقود السودان إلى اقتصاد الإنتاج والاكتفاء الذاتي والتصدير؟

 

يحز في النفس أن السودان يستورد لبن البودرة والسكر والقمح ومعجون الطماطم!

 

بلد يمتلك واحدًا من أكبر القطعان الحيوانية في أفريقيا، ومع ذلك نستورد اللبن!

 

بلد لديه أراضٍ زراعية شاسعة وخبرات زراعية متراكمة، ومع ذلك نستورد القمح!

 

ولدينا كل مقومات زراعة الطماطم وتصنيعها، ثم نستورد معجون الطماطم في البراميل!

 

أليس في الأمر ما يستحق أن نتوقف عنده قليلًا؟

 

من المسؤول عن هذه المفارقة؟

 

الحكومة التي لم تضع السياسات والحوافز الصحيحة؟

أم القطاع الخاص الذي وجد أن الاستيراد أسهل وأسرع وأكثر ربحًا من الاستثمار في الإنتاج؟

أم النظام المصرفي والتمويلي الذي لم يوجه الموارد إلى القطاعات المنتجة؟

أم الجميع معًا؟

 

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تخرج من قاعات المؤتمرات إلى أرض الواقع.

 

لا نحتاج إلى أن يقول لنا أحد إن السودان غني بالموارد. نحن نعرف ذلك.

 

ولا نحتاج إلى أن يقول لنا أحد إن السودان يمتلك ملايين الأفدنة وثروة حيوانية ضخمة وشبابًا قادرًا على العمل.

 

المشكلة أننا نعرف كل ذلك منذ عقود، ومع ذلك ما زلنا نستورد ما نستطيع إنتاجه!

 

لذلك فإن المخرج الحقيقي لمؤتمر تعافي القطاع الخاص يجب أن يكون خارطة طريق واضحة للاكتفاء الذاتي.

 

كم نحتاج من الألبان؟

وكم نستطيع أن ننتج؟

وما المطلوب من مزارع ومصانع وأعلاف وتمويل؟

 

كم نستهلك من القمح؟

وما المساحات المطلوبة للوصول إلى الاكتفاء؟

 

ما الذي يمنع قيام صناعة حقيقية لمعجون الطماطم والسكر والزيوت وغيرها؟

 

ولماذا لا تكون هناك أهداف معلنة:

خلال ثلاث سنوات نحقق نسبة كذا من الاكتفاء، وخلال خمس سنوات نصل إلى الاكتفاء الكامل في سلع محددة، ثم ننتقل إلى التصدير؟

 

هنا فقط يصبح الكلام عن التعافي جادًا.

 

نريد أن ينتقل القطاع الخاص من عقلية التاجر الذي يبحث عن السلعة في الخارج إلى عقلية المستثمر الذي يصنع السلعة في السودان.

 

ونريد من الدولة أن تنتقل من دور المعطِّل والمراقب إلى دور المنظم والمحفز والحامي للإنتاج.

 

لا نريد حماية لمنتج رديء، ولا امتيازات بلا إنتاج، ولا تمويلًا بلا نتائج.

 

الحافز مقابل الإنتاج، والتمويل مقابل الإنجاز، والإعفاءات مقابل القيمة المضافة وفرص العمل والتصدير.

 

السودان لا تنقصه الفرص.

 

لدينا الموارد، ولدينا الأرض، ولدينا المياه، ولدينا الشباب، ولدينا السوق، ولدينا القطاع الخاص.

 

ما ينقصنا هو أن نضع كل ذلك في خطة واحدة، بأهداف واضحة، ومسؤوليات محددة، ومؤشرات قياس ومحاسبة.

 

فإذا خرج مؤتمر التعافي بهذه الخارطة، فقد بدأنا فعلًا طريق التعافي.

 

أما إذا خرجنا منه بخطب جميلة وتوصيات أكثر جمالًا، ثم واصلنا استيراد اللبن والقمح والطماطم والسكر، فسنكون قد عقدنا مؤتمرًا آخر عن التعافي بينما الفشل نفسه لم يتعافَ منه أحد!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى