مقالات الظهيرة

السيادة في مواجهة الإملاءات القسرية: قراءة إستراتيجية في خلفيات وأبعاد التعنت الأمريكي تجاه مشاركة القيادة السودانية في الأمم المتحدة

قراءات استراتيجية

​بقلم: دكتور . محمد عوض محمد متولي

المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

 

سبتمبر 2026م

______________

​في مفترق الطرق الراهن الذي تختبر فيه الدولة السودانية ثوابت استقلالها وسيادتها الوطنية، تطل أزمة القرار الأخير الصادر عن الإدارة الأمريكية برفض منح رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، تأشيرة الدخول للمشاركة في أعمال الدورة الـتاسعة والسبعين2026م للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، لتكشف عن مستوى متقدم وخطير من توظيف المنظومة الدولية كأداة ضغط سياسي ومؤسسي.

إن هذا التعنت الأمريكي، المستند إلى تقارير دبلوماسية مسربة وبيانات رسمية صدرت عن وزارة الخارجية الأمريكية والبعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة خلال شهري سبتمبر 2024م وسبتمبر 2025م–2026م، لا يخرج عن كونها حلقة جديدة في سلسلة محاولات “الدبلوماسية القسرية” الرامية إلى فرض تسويات فوقية منزوعة السيادة.

وعند تفكيك هذا المشهد على ضوء المستجدات الميدانية والقانونية الدولية، يتضح بجلاء أن المعركة تتجاوز بكثير حدود الإجراءات البيروقراطية لتلامس جوهر الصراع على القرار الوطني السوداني ، في توقيت يشهد تحولات ميدانية عسكرية واضحة تعيد صياغة موازين القوى على الأرض لصالح المؤسسة العسكرية السودانية ومؤسسات الدولة الشرعية.

​ولا يمكن مقاربة قرار حرمان رأس الدولة من إعتلاء منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة بوصفه قراراً إدارياً عابراً، بل هو سقوط مدوٍ لمفاهيم الحصانة الدبلوماسية وقواعد اتفاقية مقر الأمم المتحدة الموقعة في عام 1947م، والتي تفرض التزامات قانونية واضحة على الدولة المضيفة بعدم وضع أي عوائق أمام سفر ممثلي الدول الأعضاء وحضورهم الفعال لاجتماعات المنظمة الدولية.

إن واشنطن، بتعنتها هذا واستناداً إلى تفسيرات ضيقة ومسيسة لبنود الأمن القومي وقانون الهجرة والجنسية الأمريكي (INA)، تسعى بشكل ممنهج إلى حجب الصوت السيادي للقيادة السودانية عن مخاطبة الرأي العام الدولي مباشرة، وتفنيد السرديات المضللة التي تحاول إلباس التمرد ثوب الشرعية، وإدارة صراع النفوذ عبر حرمان الدولة المعترف بها دولياً من أدوات التعبير المكفولة بموجب ميثاق الأمم المتحدة، مما يحول المنظمة الدولية من فضاء محايد للحوار متعدد الأطراف إلى منصة لفرض الإملاءات الأحادية.

 

​وفي السياق ذاته، فإن محاولة مقايضة حق المشاركة في المحافل الدولية بقبول هدنة غير مشروطة مدتها تسعون يوماً.

مصممة وفق المقاسات الغربية ومخرجات منبر جنيف والرباعية الدولية، تعكس فهماً معتلاً لآليات صناعة السلام المستدام. تتجلى خطورة هذه المقايضة الاستراتيجية في سعيها المحموم لإنقاذ الميليشيات المتعثرة عسكرياً، حيث إن فرض هدنة بمعزل عن آليات الالتزام الميداني الصارم، وتحديداً خروج الميليشيات المتمردة من الأعيان المدنية والمرافق الخدمية والاستراتيجية تنفيذاً لإعلان جدة، يمنح المعتدين (القوات المتمردة مليشيات آل دقلو الإرهابية) فرصة إستراتيجية لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع. إن ربط الحقوق الدبلوماسية بوقف إطلاق نار مصطنع يشكل ابتزازاً سياسياً وإنسانياً يضرب في عمق مبدأ السيادة الوطنية السودانية ويجهض أي فرصة حقيقية لإرساء استقرار طويل الأجل، خصوصاً وأن الحكومة السودانية وثقت مراراً خروقات الميليشيا وتواطؤ أطراف إقليمية ودولية في دعمها لوجستياً وعسكرياً عبر الحدود المجاورة.

 

​إن محاولة تسويق القرار الأمريكي تحت غطاء “الإجراءات القانونية والبيروقراطية البحتة” تمثل إستخفافاً بالعقول السياسية الرصينة؛ فالواقع التاريخي والمعاصر يؤكد بوضوح أن الانتقائية الأمريكية هي السمة الغالبة على سجلها الدبلوماسي، حيث لطالما منحت واشنطن إستثناءات واسعة لشخصيات وأطراف جدلية حول العالم متى توافقت ومصالحها الاستراتيجية، بينما تُفعّل العقوبات والقيود الفظة حين تتعارض السياسات مع أجنداتها الجيوسياسية. إن التذرع بالاشتراطات التنظيمية ليس سوى غلاف مختل لإخفاء رغبة جامحة في إخضاع القرار الوطني السوداني لمسارات تسوية مفروضة قسراً.

متجاهلة تماماً المكتسبات الميدانية والشرعية الدستورية القائمة التي تستند إلى ولاية مؤسسات الدولة السودانية في حماية أمن وسلامة مواطنيها.

​وعلاوة على ذلك، فإن الموقف السلبي أو المتواطئ للأمانة العامة للأمم المتحدة إزاء هذا التعسف يعكس أزمة بنيوية تعاني منها المنظومة الدولية المعاصرة المتمثلة في التبعية الهيكلية لدولة المقر؛ فعجز الأمم المتحدة عن فرض التزاماتها القانونية حيال إستضافة ممثلي الدول الأعضاء يكشف عن هيمنة سياسية واضحة لدولة المقر، مما يفقد الهيئات الدولية هيبتها وموثوقيتها الأخلاقية.

إن هذا التوظيف القانوني المشوه يهدف حصراً إلى إحداث فراغ تمثيلي للدولة السودانية، وإفساح المجال لشرعنة واجهات سياسية بديلة تفتقر لأي سند دستوري أو شعبي، مما يعمق الفجوة بين دول الجنوب العالمي والمجتمع الدولي ويزيد من تآكل الثقة في الوساطات الدولية التي باتت تُدار بمنطق الوصاية الاستعمارية الحديثة.

 

​إن الرهان الأمريكي على إمكانية فرض تسوية سياسية عبر بوابة “حرمان التأشيرات” هو رهان خاسر وبنيوي الفشل، فالتجارب التاريخية تثبت أن الضغوط القسرية والإملاءات الفوقية لا تُنتج سوى تسويات هشّة، وأن حرمان القيادة من منابرها لن يكسر إرادة الدولة السودانية بل يزيدها تمسكاً بثوابتها السيادية. بل إن هذه الممارسات ستؤدي حتماً إلى تسريع قطيعة الثقة مع الوساطات الغربية، ودفع السودان نحو تنويع خياراته الإستراتيجية والجيوسياسية وبناء تحالفات إقليمية ودولية موازية تفكك الهيمنة الأحادية وتعيد صياغة العلاقات الخارجية وفق ندية كاملة ومصالح متبادلة مع القوى الصاعدة في النظام الدولي متعدد الأقطاب.

 

​وختاماً، فإن الخيار الأمثل أمام القيادة السودانية لا يكمن في الرضوخ لمعادلة الابتزاز، بل في تحويل الأزمة إلى منحة سياسية إستراتيجية عبر إعلان رفض المشاركة متى كانت ثمناً لتنازلات سيادية أو هدن مشوهة تخدم أعداء الوطن.

إن إسقاط مقايضة السيادة بالتمثيل الدبلوماسي يثبت أن الصوت السوداني ينبع من صلابة الميدان لا من أروقة نيويورك. وتبقى الحقيقة الإستراتيجية التي أرساها كبار مفكري الدبلوماسية والقوة قائمة لا تبدل؛ فـ “عندما تفشل الدبلوماسية في تعديل سلوك الأطراف، يصبح ميزان القوة هو العامل الحاسم، وعندما يتغير ميزان القوة تعود الدبلوماسية لتفاوض على الواقع الجديد”. والواقع الجديد هو ما يخطه الجيش السوداني العظيم بدم وتضحيات أبنائه في ميادين العزة والكرامة لصون وحدة البلاد وكرامة شعبها الأبي.

​#أمريكا_تبتز_السودان

#USBlackmailsSudan

#أمريكا_تبتز_السودان

#USBlackmailsSudan

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى