مقالات الظهيرة

الوطن في حدقات العيون- ماذا أعددنا للسودان بعد الحرب؟

رؤى وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

 

الوطن في حدقات العيون — ماذا أعددنا للسودان بعد الحرب؟

 

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي

رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية

 

الوطن في حدقات العيون، وهو اليوم مثخنٌ بالجراح، تنزف أطرافه، وتثقل كاهله تبعات الحرب، وتتناهشه سهام الأعداء، وتتجاذبه أيدي الفتنة والجهل واليأس.

 

ومع ذلك، فإن الوطن لا يموت ما دام في أبنائه قلبٌ ينبض بحبه، وضميرٌ يستشعر مسؤوليته، وعقولٌ تفكر في غده، وأيدٍ تستعد لبناء ما هدمته الحرب.

 

إننا لا نملك ترف الانتظار حتى تنتهي الحرب لنبدأ التفكير في المستقبل؛ فالمعركة الحقيقية لا تنتهي بإسكات البنادق وحدها، وإنما تبدأ بعدها معركة أشق وأطول: معركة البناء، وإعادة الإعمار، واستعادة الإنسان، وإحياء الأمل.

 

وسنسأل أمام الله يومًا: ماذا أعددنا لوطننا؟

 

ماذا أعددنا للسودان الذي حملنا في أعماقنا، وأطعمنا من خيره، وأظلنا بسمائه، وعلّمنا في مدارسه، ونشأنا على ترابه، وشربنا من نيله العذب، ذلك النيل الذي يجري في أرضنا كأنه سليلُ الفراديس؟

 

ماذا أعددنا لأطفال السودان الذين لم يختاروا الحرب، ولم يكتبوا صفحاتها، ولم يحملوا راياتها، ولكنهم وجدوا أنفسهم بين أنقاضها؟

 

وماذا أعددنا لشباب السودان، الذين هم عدة الوطن وذخيرته، وأمله الممتد إلى الغد؟

 

إن الشباب والأطفال في ذمتنا؛ وهذه ليست عبارة عاطفية عابرة، بل أمانة أخلاقية وتاريخية. فإذا سلمناهم وطنًا مثقلًا بالجراح، فعلينا أن نمنحهم معه أسباب النهوض، والعلم، والعمل، والكرامة، والأمل.

 

والوطن له علينا حق، بل له دينٌ مستحق؛ لأنه أعطانا قبل أن نملك القدرة على العطاء، وسلفنا من خيره قبل أن نعرف معنى السلف والوفاء.

 

أعطانا الأرض، فكانت لنا وطنًا.

 

وأعطانا النيل، فكان لنا حياة.

 

وأعطانا المدارس والمعارف، ففتح لنا أبواب المستقبل.

 

وأعطانا ذاكرةً من التاريخ، وهويةً لا ينبغي أن نفرط فيها.

 

وأعطانا من خيره ما جعلنا نقف اليوم ونقول:

 

نحن أبناء السودان.

 

فكيف يكون الوفاء؟

 

ليس الوفاء أن نبكي على السودان وحده، وإنما أن نعمل من أجله.

 

ليس الوفاء أن نحصي ما فقدناه، وإنما أن نحفظ ما تبقى ونبني ما تهدم.

 

ليس الوفاء أن نتبادل الاتهامات إلى ما لا نهاية، وإنما أن نضع أيدينا في أيدي بعضنا حين يحين وقت البناء.

 

ليس الوفاء أن نعيد إنتاج أسباب الأزمة، وإنما أن نتعلم منها حتى لا نورثها لأبنائنا.

 

إن السودان بعد الحرب يحتاج إلى رجال البناء كما احتاج أثناء الحرب إلى رجال الميدان.

 

يحتاج إلى المعلم والطبيب والمهندس والمزارع والعامل والباحث والإداري ورجل الأعمال، ويحتاج قبل ذلك كله إلى إنسان سوداني جديد في وعيه، قوي في أخلاقه، عظيم في انتمائه، واسع في أفقه؛ لا يرى القبيلة فوق الوطن، ولا الجهة فوق السودان، ولا الحزب فوق الدولة، ولا المصلحة الخاصة فوق المصلحة العامة.

 

نحتاج إلى أن نعيد تعريف الوطنية.

 

فالوطنية ليست هتافًا في مناسبة، ولا صورةً ترفع، ولا شعارًا يُكتب على الجدران.

 

الوطنية أن تؤدي عملك بإخلاص.

 

أن تحترم القانون.

 

أن تحفظ المال العام.

 

أن تعلّم طفلًا.

 

أن تعالج مريضًا.

 

أن تزرع أرضًا.

 

أن تعيد تشغيل مصنع.

 

أن تبني مدرسة.

 

أن تصلح طريقًا.

 

أن تحمي نهرًا.

 

أن تصون كرامة إنسان.

 

وأن تقول حين تتعارض مصلحتك الخاصة مع مصلحة السودان:

 

السودان أولًا.

 

يا أبناء السودان…

 

لا تنتظروا أن يأتي البناء من الخارج، ولا تجعلوا مساعدات العالم شرطًا لقيام الوطن.

 

نحتاج إلى العالم نعم، ونرحب بكل يد صادقة تمتد إلى السودان، ولكننا نحتاج قبل ذلك إلى إرادة سودانية تعرف ماذا تريد، وكيف تريد أن تبني، ولأي جيل تبني.

 

فالدول لا تُبنى بالمنح وحدها، وإنما تُبنى بالإنسان الذي يحسن تحويل المنحة إلى مشروع، والمشروع إلى إنتاج، والإنتاج إلى حياة كريمة.

 

علينا أن نبدأ منذ الآن في إعداد خطة السودان لما بعد الحرب؛ لا خطةً فوق الورق، وإنما مشروعًا وطنيًا واضحًا يبدأ من الإنسان وينتهي إلى الدولة.

 

نريد سودانًا تتقدم فيه المدرسة قبل القصر، والمستشفى قبل المظهر، والمصنع قبل الاستهلاك، والزراعة قبل الاستيراد، والعلم قبل الجهل، والقانون قبل الفوضى.

 

نريد سودانًا يشعر فيه الطفل أن مستقبله لا يتوقف على مكان ميلاده، ولا على قبيلته، ولا على انتمائه السياسي، وإنما على علمه واجتهاده وحقه كمواطن.

 

نريد سودانًا يعود إليه أبناؤه من المهاجر والمنافي، لا ليبحثوا عن الغنيمة، وإنما ليشاركوا في البناء.

 

نريد سودانًا يختلف فيه الناس في الرأي، ولكن لا يختلفون على الوطن.

 

أيها الشباب…

 

أنتم لستم جيل الحرب فقط.

 

أنتم جيل ما بعد الحرب، وجيل البناء، وجيل استرداد السودان من ركام السنوات العصيبة.

 

لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن مستقبلكم قد كُتب في ساحات الصراع.

 

أنتم من سيكتب الصفحة التالية.

 

فإذا كان جيل الأمس قد أورثكم السودان، فإن واجبكم أن تورثوا أبناءكم سودانًا أفضل.

 

وهنا تكمن مسؤوليتنا جميعًا.

 

فالسودان ليس ملكًا لجيل واحد، ولا لحزب، ولا لقبيلة، ولا لطائفة، ولا لمنطقة.

 

السودان أمانة تتوارثها الأجيال.

 

وقد أخذنا نصيبنا من خيره، وحان أن نؤدي نصيبنا من واجبه.

 

السودان دينٌ في أعناقنا

 

لقد أعطانا السودان كثيرًا قبل أن نعرف كيف نعطيه.

 

ولهذا فإن الوفاء له ليس فضلًا منا؛ بل هو ردٌّ لبعض الجميل.

 

نحن مدينون لترابه الذي احتضن خطواتنا الأولى.

 

مدينون لمدارسه التي فتحت عيوننا على العلم.

 

مدينون لمعلمينا الذين حملوا رسالة المعرفة.

 

مدينون لأمهاتنا وآبائنا الذين ربونا على أرضه.

 

مدينون للنيل الذي ظل يجري شاهدًا على تعاقب الأجيال.

 

ومدينون لكل شهيد بذل روحه دفاعًا عن الوطن.

 

ومدينون لكل طفل ينتظر منا أن نعيد إليه حقه في حياة آمنة.

 

فهل نؤدي الدين؟

 

نعم، نؤديه بالعمل.

 

نؤديه بالعلم.

 

نؤديه بالإخلاص.

 

نؤديه بوحدة الصف.

 

نؤديه بإعمار ما تهدم.

 

نؤديه ببناء الإنسان قبل العمران.

 

ونؤديه بأن نترك لأبنائنا وطنًا يستطيعون أن يقولوا عنه، كما قلنا نحن:

 

هذا السودان وطننا… وهنا جذورنا… وهنا مستقبلنا.

 

الخاتمة

 

يا سودان…

 

قد تكون جراحك كثيرة، ولكن عزيمتك أكبر.

 

وقد يكون طريقك شاقًا، ولكنك لست بلا أبناء.

 

وقد تكون الحرب قد هدمت كثيرًا من العمران، لكنها لن تستطيع أن تهدم إرادة الحياة ما دام في هذا الشعب من يؤمن بأن الفجر آتٍ.

 

سنحمل وطننا في حدقات العيون.

 

وسنحمل أمانته في القلوب.

 

وسنسأل أنفسنا منذ الآن، لا بعد فوات الأوان:

 

ماذا أعددنا للسودان؟

 

فإن كان السؤال يوم القيامة عن الأمانة، فليكن جوابنا يومها أننا لم نقف متفرجين أمام جراح الوطن، ولم نكتفِ بالبكاء على أطلاله، بل اجتهدنا في أن نرد له بعض الدين.

 

اللهم احفظ السودان وأهله، وارحم شهداءه، واشفِ جراحه، واجمع كلمته، وألّف بين قلوب أبنائه، واجعل ما بعد هذه الحرب بداية عهدٍ جديد من الأمن والعلم والعمل والبناء.

 

السودان في حدقات العيون…

والسودان أمانة في الأعناق…

والسودان دينٌ مستحق علينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى