(شــوكة حـوت) ياسرمحمدمحمود البشر يكتب… صمت المنابر وتمدد المنكر!!
*تعيش الأمة حالة من الفصام التوعوى بين ما يُقال على منسات المنابر وبين ما يجرى فى واقع الحياة اليومية لقد ظلت الخطابة الدينية والوعظية لسنوات طويلة تركز على القول وتنسى العمل وتكتفى باستعراض فضائل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بأسلوب إنشائى يُدغدغ العواطف دون أن يتحول إلى
خريطة طريق أو حراك ميدانى يحمى قيم المجتمع هذا العجز عن جسر الفجوة بين الكلمة والفعل جعل المنبر مجرد صدى لمواقف تاريخية بدلاً من أن يكون قاطرة لتغيير الحاضر إن الاقتصار على الموعظة المنفصلة عن الواقع أسهم بشكل مباشر في تفريغ مبدأ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من مضمونه الفاعل فالمعروف ليس مجرد خطبة رنانة تُلقى يوم الجمعة والمنكر لا يُدفع بالاستنكار الشفاهى المتكرر الذى لا يتبعه أى جهد تنظيمى أو تربوى أو مؤسسى هذا التراجع الخطابى وتحوله إلى مجرد طقس شكلى أتاح للفراغ أن يتسع وللمشكلات السلوكية والأخلاقية أن تتمدد دون رادع حقيقى من الوعى والعمل المتكامل*.
*ونتيجة لهذا الغياب الميدانى لم يتوقف أصحاب المنكر عند حدود العزلة أو الخجل كما كان فى السابق بل انتقلوا من موقف الدفاع إلى هجوم منظم استغل أهل المنكر تراجع التوجيه العملى وتجمُّد الأدوات التوعوية التقليدية فبدأوا فى التمدد السريع وفرض معاييرهم الجديدة مستفيدين من غياب المشروعات البديلة التي تقنع الشباب وتملأ وقتهم بالخير الملموس حتى بات الصوت العالى فى الشارع والمؤسسات لمن يملك المبادرة والعمل ولم يعد المستهدف اليوم أفراداً بعينهم بل أصبح الحصار يلف أهل الصلاح والخطباء أنفسهم في المساحات العامة لقد فرض أهل المنكر واقعهم فى الشوارع التى أصبحت تتنفس مظاهر تتنافى مع القيم الأصيلة وأصبح المظهر العام يخضع لمنطق التقبل القسرى لما كان بالأمس القريب منكرًا صريحاً هذا التواجد الكثيف والمتناسق في الفضاء العام جعل أصحاب الطرح الأخلاقى التقليدى يشعرون بالغربة داخل مجتمعاتهم*.
*ولم يتوقف هذا المد عند حدود الشارع بل امتد بشدة إلى البيئات التعليمية كالمدارس التي يُفترض أن تكون حصوناً للتربية والقيم تسربت السلوكيات الوافدة والأفكار المنحرفة إلى أروقة المدارس في ظل غياب الخطاب الواعى الذى يخاطب عقول الطلاب بأسلوب عصرى وبدلاً من أن تكون المدرسة خط الدفاع الأول لدعم المعروف أصبحت في كثير من الأحيان ساحة مفتوحة لتكريس المنكر وفرضه كأمر واقع بين أجيال الناشئة أما الجامعات وهى معقل من معاقل الفكر وقادة المستقبل فقد شهدت التحدى الأكبر والأكثر خطورة حيث تحولت بعض الساحات الشبابية والأكاديمية إلى بيئات تُمارَس فيها الضغوط المجتمعية لصالح السلوكيات المنحرفة ويوصم فيها المتمسك بالقيم بالرجعية أدى هذا المناخ إلى تراجع أهل الحق عن المواجهة الفكرية والسلوكية تاركين الساحة لتيارات تُعيد تعريف المفاهيم وتفرض أنماطاً جديدة من السلوكيات تحت شعارات التجديد والحرية*.
*تُظهر هذه التحولات أن أهل المنكر يعملون بإنتاجية عالية وتخطيط محكم مستفيدين من أدوات العصـر والتكنولوجيا والإعلام إنهم يسددون أهدافهم بنجاح كبير في مربى الأجيال ومناحي الحياة لأنهم قرنوا رؤيتهم بالعمل الميدانى والتسويق الذكى فى حين اكتفى الطرف الآخر بالبكاء على الأطلال وإعادة
تدوير الخطب القديمة التى لا تتجاوز آذان المصلين ولا تلامس واقعهم المعاش والنجاح المتتالى لأهل المنكر ليس قوة ذاتية في باطلهم بقدر ما هو نتيجة طبيعية للفراغ الذي تركه أهل الحق. فالقوانين الاجتماعية لا تعترف بالفراغ وحين يتراجع الخطاب الإصلاحى عن الحضور الفاعل فى الفنون والتعليم والتقنية والشارع فمن الطبيعي أن تحل محله البدائل المتاحة لقد استطاع المنكر أن يتحول إلى مؤسسة تعمل باستمرار بينما بقي الأمر بالمعروف محصوراً فى صوت يعلو لعدة دقائق ثم يصمت باقى الأسبوع*.
نــــــــــــص شــــــــــــوكة
*يتطلب الخروج من هذا الحصار مراجعة شاملة لدور المنبر وأدواته بحيث لا ينفصل القول عن العمل مطلقاً يجب أن تتحول الخطبة إلى مشروع عملى وأن يتحول الخطيب إلى موجه ومصمم لمبادرات اجتماعية وتربوية تنزل إلى الشارع والمدرسة والجامعة إن المواجهة لا تكون بالصراخ أو اللعن بل بتقديم البديل الجذاب وبناء المؤسسات القادرة على حماية القيم وإعادة الثقة للشباب ليكونوا سفراء للمعروف فى مجتمعاتهم*.
ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة
*إن المعركة الأخلاقية فى جوهرها هى معركة كسب مساحات وتأثير ولن يُرفع الحصار عن أهل الحق إلا إذا أدركوا أن الكلمة التى لا تتبعها خطة عمل هى مجرد هواء هباء إن الاستفاقة المطلوبة تبدأ من تحويل المنابر من منصات للكلام إلى غرف عمليات للتغيير الإيجابى يسدد فيها أهل المعروف أهدافهم بالتخطيط والعمل ليستعيد الشارع والمدرسة والجامعة توازنهم الأخلاقي قبل فوات الأوان*.
yassir.mahmoud71@mail.com



