السودان: الصراعات بالنيل الازرق …. مخاوف من هتك النسيج الاجتماعي

الخرطوم _الظهيرة:
بعد مضي نحو أسبوع على أحداث العنف القبلي في إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، التي ارتفع عدد ضحاياها وفق آخر الإحصاءات إلى “105 قتلى و291 جريحاً” وفق آخر إحصائية من لجنة الطوارئ، بالإضافة إلى آلاف النازحين داخل الإقليم وخارجه، لا تزال تداعياتها تتمدد وارتداداتها تنتشر في كل ولايات البلاد، شرقاً وغرباً ووسطاً، حتى وصلت إلى العاصمة الخرطوم.
وأفادت نشرة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في السودان (أوتشا)، الثلاثاء، أن أعداد النازحين بمحليات ولاية النيل الأزرق بلغت أكثر من 17 ألف شخص، بينهم 15 ألف نازح من محلية الرصيرص فقط، مشيراً إلى أن عدد سكان النيل الأزرق يقدر بنحو 1.3 مليون نسمة.
وأضاف مكتب الإغاثة الأممي أن هذه “الاشتباكات تجري في وقت تصل فيه الاحتياجات الإنسانية في السودان إلى أعلى مستوياتها بالفعل، إذ يحتاج أكثر من 14 مليون شخص حالياً إلى شكل من أشكال إغاثات العيش”.
عنف ..وتعزيزات امنية
في الخرطوم، أعلنت السلطات عن وصول تعزيزات أمنية من الجيش والدعم السريع وشرطة الاحتياطي المركزي إلى ولايتي النيل الأزرق وكسلا اللتين شهدتا أعمال عنف أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.
وأفاد إعلام الشرطة بأن تعزيزات من قوات الاحتياطي المركزي وصلت جواً إلى المناطق التي شهدت الصدامات، وباشرت مهماتها على الفور، ما عزز الأمن وسط المواطنين وفرض هيبة الدولة وحكم القانون.
وشهدت العاصمة التي استقبلت الأربعاء 20 يوليو (تموز) الحالي دفعتين من جرحى ومصابي الأحداث تم نقلهم جواً، مسيرة احتجاجية شاركت فيها قيادات من قبيلة الهوسا، تنديداً بالاشتباكات في إقليم النيل الأزرق، وخاطبهم والي الخرطوم وتسلم منهم مذكرة احتجاج على العنف القبلي الذي جرى.
متابعة أحداث النيل الأزرق
ومن جانبه، قال أحمد آدم بخيت، وزير التنمية الاجتماعية إن اللجنة العليا لمتابعة أحداث النيل الأزرق برئاسة الفريق شمس الدين كباشي، عضو مجلس السيادة الانتقالي، تبذل جهوداً كبيرة وظلت تتابع الوضع الميداني وتعمل على احتوائه، وتقديم كل العون للمتضررين من غذاء وكساء ودواء إلى حين عودة الأوضاع إلى طبيعتها.
كانت ولاية كسلا في شرق السودان، أول من تأثر بالاضطرابات، إذ شهدت احتجاجات من الهوسا تخللتها أعمال عنف وحرق بعض المحال التجارية وأجزاء من مكاتب أمانة الحكومة والمحلية، إضافة إلى مكاتب إدارية تعليمية.
وأصدر والي كسلا المكلف خوجلي حمد أمراً بحظر التجمهر والمواكب في الطرق والأماكن العامة في أحياء محلية كسلا وأسواقها المختلفة. وقال إن كل من يخالف هذا الأمر سيعاقب بموجب أحكام القانون الجنائي.
مسيرات احتجاجية
في ولاية القضارف، سيّر منسوبو الهوسا مسيرة احتجاجية، خاطبها والي القضارف المكلف محمد عبد الرحمن محجوب وتسلّم من المحتجين مذكرة احتجاج حول ما وصفوه بالانتهاكات والقتل وتصفية وتشريد الأسر البريئة.
ووصف محجوب الأحداث بأنها لا تشبه أهل السودان وتعايشهم وتسامحهم، مطالباً بمحاسبة كل من تسبب في قتل الأبرياء.
وفي ولاية الجزيرة وعاصمتها واد مدني، على بعد 200 كيلومتر إلى الجنوب من العاصمة الخرطوم، أغلق محتجون من الهوسا طرقاً رئيسة بمتاريس الحجارة والإطارات المشتعلة، ما أدى إلى توقف حركة المرور.٠
كما شهدت ولاية البحر الأحمر مسيرة احتجاجية إلى مقر حكومة الولاية في بورتسودان، وقدمت مذكرة طالبت فيها بوقف أعمال العنف والعمل على عودة الاستقرار في الإقليم وإرسال المساعدات الإنسانية وتقديم المتورطين في تلك الأحداث إلى العدالة.
وشكلت حكومة ولاية سنار المجاورة للإقليم لجنة لإيواء النازحين وتجهيز المستشفيات والمعينات الطبية وبنوك الدم للجرحى، وتوفير الإيواء والسكن للنازحين في محليات أبوحجار وسنجة وسنار والسوكي التي تستقبل العدد الأكبر من النازحين.
الحكومة والأحزاب
وفي الإقليم المنكوب ذاته، أعلن حاكمه أحمد العمدة بادي تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول الجرائم التي ارتكبت، وقال إنه سيتم تقديم أي شخص أجرم إلى القانون.
وناشد بادي في مؤتمر صحافي المواطنين عدم الانسياق وراء مروجي الفتن والإشاعات الموجودة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تهدف إلى ضرب النسيج الاجتماعي في الإقليم، مؤكداً أنه سيتم فتح بلاغات لدى نيابة جرائم المعلوماتية ضد الصفحات التي تروج لخطاب الكراهية والعنصرية.
وأشاد الحاكم بقرارات مجلس الأمن والدفاع، مؤكداً تنفيذ حكومة الإقليم لهذه القرارات مع القوات النظامية ضد مثيري الفتن والمحرضين على العنف، داعياً المنظمات الدولية والمؤسسات التنفيذية إلى دعم الإقليم في هذه الظروف الصعبة.
عنف قبلي
على الصعيد السياسي، أصدرت معظم الأحزاب السياسية والمنظمات بيانات دانت فيها أعمال العنف والصراع القبلي في إقليم النيل الأزرق، وعلى رأسها حزبا الاتحادي الديمقراطي الأصل والأمة القومي.
وحذر الحزبان في اجتماع ضم مرشد طائفة الختمية، رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل محمد عثمان الميرغني، بمقر إقامته في القاهرة، ووفد من حزب الأمة القومي، برئاسة اللواء فضل الله برمة ناصر، رئيس الحزب ونائبته مريم الصادق، من الفتن الأهلية والمخاطر المحدقة بالبلاد، وأكدا التزامهما العمل لمحاربة خطاب الكراهية وتدعيم أواصر النسيج الوطني والتنسيق المشترك لدرء الفتن وتوحيد الجهود لتحقيق الوفاق السوداني ودعم الانتقال والتحول الديمقراطي.
كما دعا قادة منظمات العمل الإنساني والطوعي، جميع منظمات المجتمع المدني المحلية والعالمية لتقديم يد العون ومساعدات عاجلة لضحايا الأحداث القبلية في النيل الأزرق، مناشدين الجميع بضبط ووقف العدائيات فوراً ووضع حدّ لتمدد العنف في بعض الولايات الأخرى.
صراع اثني
وفيما اتهمت قوى الحرية والتغيير، ما سمته بـ”سلطة الانقلاب” بالسعي للاستنصار بسلاح إثارة النعرات الجهوية والقبلية، لمقايضة حرية الشعب السوداني وقضايا ثورته بالاستقرار والأمن، وصف محمد الفكي، عضو مجلس السيادة السابق القيادي في الحرية والتغيير، انتقال الصراع الإثني بصورة عنيفة وسريعة من مدينة إلى أخرى يوضح أن الأمر مخطط له بدقة، وليس مجرد تنادٍ عفوي لمجموعة من الغاضبين.
وحذر الفكي من أن التلاعب باستقرار الناس وحياتهم من أجل تحقيق مكاسب سياسية سيقود البلاد إلى حريق شامل لن يبقي وراءه أي ميادين صالحة للتنافس السياسي المدني، مشيراً إلى أن التدمير الممنهج لسلمية الثورة ونقلها إلى مربع العنف، حتى يتسنى فرض حالة الطوارئ والتعامل العنيف مع المحتجين، لن ينتج منهما استقرار.



