(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… من وراء رفع الأسعار؟ الدقيق… ثم السكر… ثم الدولار!

كلما استيقظنا صباحاً سمعنا خبراً جديداً: الدقيق زاد، السكر طار، الدولار حلّق.
وكأنها سلسلة لا تنتهي. سلسلة تشد خناق المواطن يوماً بعد يوم.
فمن الذي يرفع؟ ومن الذي يدفع الثمن؟
الحلقة الأولى: الدقيق.. رغيف العيش المكسور
يبدأ كل شيء من الرغيف.
الرغيف ليس طعاماً فقط، هو كرامة. هو أمن. هو أن تنام وانت تعلم أن أولادك سيجدون ما يأكلون غداً.
عندما يرتفع الدقيق، يرتفع كل شيء. لماذا؟
لأن صاحب المخبز سيرفع سعر الخبز. وصاحب المطعم سيرفع سعر الفول. والأم في البيت ستقلل عدد الرغيف
فيرتفع الجوع.
وراء رفع الدقيق وجوه كثيرة:
– احتكار مستوردين قليلين يتحكمون في الاستيراد.
– تهريب الدقيق المدعوم إلى السوق الأسود.
– حرب روسيا وأوكرانيا التي نستورد منها 80% من قمحنا، رغم أن عندنا أرض الجزيرة والنيل الأبيض والشمالية والقضارف التي تكفي لإطعام قارة كاملة.
نقطة الضوء هنا: الحل ليس في دعم المستورد، الحل في دعم المزارع. ازرع قمحنا، ازرع ذرتنا، ازرع دخننا. كل فدان نزرعه قمحاً هو رصاصة ضد الغلاء.
الحلقة الثانية: السكر.. الحلو الذي صار مراً
بعد الدقيق يأتي السكر.
مادة بيضاء نضعها في الشاي لتنسينا مرارة الحياة، فإذا بها هي نفسها تصبح مرارة جديدة.
مصانعنا الأربعة العملاقة: الجنيد، وسنار، وعسلاية، والسوكي… كانت تكفي السودان وتصدر.
اليوم هذه المصانع تعمل بنصف طاقتها، أو متوقفة.
فصرنا نستورد السكر من الهند والبرازيل بملايين الدولارات.
من المستفيد؟
تاجر كبير يستورد السكر ويبيعه بضعف ثمنه، بينما مزارع قصب السكر في النيل الأبيض يبكي لأن المصنع لا يشتري منه.
نقطة الضوء هنا: لا يمكن أن نكون بلد السكر ونستورد السكر. إعادة تشغيل مصانع السكر هي قضية أمن قومي، وليست قضية تجارية فقط. كل طن سكر ننتجه هو دولار نبقيه في بنك السودان.
الحلقة الثالثة: الدولار.. الضيف الثقيل الذي نحترمه
ثم يأتي الوحش الأكبر: الدولار.
الدولار في بلادنا ليس عملة فقط، صار ميزان. نوزن به كل شيء. حتى كيس الدقيق صار مربوطاً به. حتى كيس السكر مربوط به.
لماذا يرتفع الدولار؟
لأننا نستورد أكثر مما نصدر.
نستورد الدقيق، ونستورد السكر، ونستورد الزيت، ونستورد الإندومي والنيوتيلا، حتى “المسواك” صرنا نستورده.
كلما استوردنا شيئاً، احتجنا دولاراً. وكلما احتجنا دولاراً، رفع تجار العملة سعره. وكلما ارتفع سعره، ارتفعت كل السلع.
إنها دائرة الجحيم.
نقطة الضوء هنا: الدولار لا ينخفض بالخطب، ولا بالدعاء، ولا باعتقال تجار العملة فقط. الدولار ينخفض بشيء واحد: الإنتاج والتصدير.
المشاكل والحلول.. باختصار
المشاكل ثلاث:
1. الاحتكار: قلة تتحكم في قوت الشعب.
2. الاستيراد العشوائي: نستورد ما نستطيع إنتاجه.
3. الاستهلاك الترفي: نستهلك سلعاً غير ضرورية بالدولار.
والحلول ثلاث، وهي “نقاط الضوء”:
أولاً: ازرع.
كل بيت يزرع، كل حوش ينتج، كل ولاية تزرع محصولها. نرجع للجمعيات التعاونية التي تشتري مباشرة من المزارع بدون وسيط.
ثانياً: صنّع.
شغل مصانعك. لا تبيع القطن خاماً، بعه قماشاً. لا تبيع السمسم خاماً، بعه زيتاً. التصنيع هو الذي يضاعف السعر عشر مرات.
ثالثاً: استهلك من أرضك.
قاطع الإندومي واشترِ الكسرة. قاطع النيوتيلا واشترِ عسل النحل. قاطع العصير المستورد واشترِ عصير المنقة البلدي. كل جنيه تنفقه على منتج سوداني، أنت تنقص الطلب على الدولار.
من وراء رفع الأسعار؟
نحن جميعاً.
التاجر الذي يحتكر، والمواطن الذي يستهلك بلا وعي، والحكومة التي لا تدعم الإنتاج.
ورفع الأسعار لن يتوقف إلا إذا بدأنا نحن بتغيير سلوكنا.
لا تنتظر أن ينخفض الدولار لتشتري.
بل اشترِ من أرضك لينخفض الدولار.
قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96]
بركات الأرض موجودة.
فقط نحتاج أن نمد أيدينا إليها بدل أن نمدها لاستيراد ما في أيدي الناس.



