(من أعلي المنصة) ياسر الفادني يكتب…. مؤتمر برلين …طَلَّقُوهَا وبِتْفَتِش للرجوع!!

في برلين، سوف تُصاغ البيانات أكثر مما تُصاغ الحلول، يستعد المسرح لاستقبال نسخة مكررة من عرضٍ شاهدناه من قبل: نفس الوجوه التي جابت صالونات باريس وأروقة لندن تعود اليوم بربطات عنق مختلفة، لكن بذات العجز القديم، وذات الشهية المفتوحة على الكلام المنمّق الخالي من الفعل ، كأن القضية السودانية تحوّلت إلى (جولة أوروبية)! يتنقل فيها الناشطون بين العواصم، يبدّلون الإطارات ويبقون على الصورة الباهتة كما هي
المفارقة التي لا تحتاج إلى كثير عناء لفهمها، أن السودان—وهو أصل الحكاية—غائب عن المشهد الرسمي، كأنهم يناقشون بيتًا دون صاحبه، أو يرسمون طريقًا دون أن يسألوا من يمشي عليه، حين تغيب الحكومة، وتُستبدل بأصواتٍ هشة لا تملك من أمرها إلا صدى السفارات، فإن النتيجة معروفة سلفًا: ضجيج بلا أثر، وصور بلا مضمون، ومؤتمر يكتفي بإنتاج خيبة جديدة مغلفة بورق دبلوماسي لامع،
التمويل حاضر من دويلة الشر ، والرعاية قائمة، لكن السؤال الذي يطرق الرأس بعنف: كيف لمن عجز عن ترتيب بيته الداخلي أن يقدّم وصفات جاهزة لإنقاذ الآخرين؟ إنها مفارقة تشبه المثل الشعبي حين يختصر الحكاية كلها في عبارة واحدة: (باب النجار مخلع)! من يرفعون شعارات الحلول، تقف خلفهم تجارب مرتبكة، وتدخلات لم تزد المشهد إلا تعقيدًا، ثم يأتون اليوم بوجهٍ جديد لبيع الوهم ذاته
الجديد الذي يتفاخر به منظمو المؤتمر—وهو في حقيقته قديم مكرر—أنهم سيناقشون “المسار المدني” في غياب القوى الحقيقية على الأرض، مكتفين بوجوهٍ صنعتها الفنادق لا الميادين، ورفعتها المؤتمرات لا الجماهير ، هؤلاء لا يمثلون إلا أنفسهم، ولا يملكون إلا بيانات محفوظة، تُلقى ثم تُنسى، وتُصفق لها قاعات باردة لا تعرف حرارة الواقع في السودان
سيكثر التصوير، وستلمع الفلاشات، وستُلقى الخطب التي تُشبه بعضها حد التطابق، لكن حين ينفض السامر، لن يبقى سوى رقم واحد: صفر كبير، يضاف إلى أرشيف المؤتمرات التي أُنفقت عليها الأموال ولم تُثمر إلا مزيدًا من التيه، إنها صناعة الوهم في أبهى صورها، ميزانيات تُصرف، وتذاكر تُحجز، وفنادق تُملأ، وفي النهاية يعود الجميع بخُفّي حُنين
أما أولئك الذين يتسلّلون إلى هذه المؤتمرات بأحلام العودة، يلوّح لهم السراب بكراسي الحكم، فهم كمن (طلقوها وبتفتش للرجوع) ! يظنون أن الطريق إلى الداخل يُعبد في الخارج، وأن الشرعية تُمنح من قاعات مغلقة لا من إرادة شعبٍ جرّب ووعى ورفض أن يُدار بالريموت كنترول السودان، بتاريخه، لا يبتلع الطُعم مرتين، ولا يسمح أن تُفرض عليه وصفات معلبة مهما كان بريقها
إني من منصتي أنظر …. حيث أرى…. أن الحقيقة التي لا يريد البعض سماعها: هذا الوطن لا يُحكم من برلين، ولا يُدار من باريس، ولا يُعاد تشكيله في لندن، من أراد السودان، فطريقه واضح: الداخل لا الخارج، والناس لا الفنادق، والواقع لا البيانات، وما عدا ذلك… مجرد جولات سياحية سياسية، عنوانها العريض: كثير من الضجيج… ولا شيء يحدث.



