مقالات الظهيرة

ملاريا ما بعد الحرب: التحور الصامت الذي يهدد مليون عائد إلى السودان

قراءات استراتيجية

حزمة إعادة إعمار السودان الصحية 2027م – 2037م

 

المقال الثاني:

 

بقلم/ الدكتور محمد عوض محمد متولي

 

المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

 

سبتمبر 2026م

_______________

 

حمداً لله على سلامة البروفيسور مأمون حميدة، فقد جاءت إشارته العابرة في شهادته “زيارتي لمستشفى علياء 2” إلى ظاهرة `pneumonic malaria` كجرس إنذار لم يسمعه بعد صناع القرار. لم يتحدث البروف عن ملاريا عادية، بل شخص تحولاً نوعياً في سلوك الطفيلي، من مرض موسمي يزور كل ثلاثة أيام إلى قاتل يومي يهاجم الرئة ويحدث وذمة بينية تستدعي أخصائي القلب. إن هذه ليست ملاحظة سريرية فقط، هذه قراءة استراتيجية لمرحلة جديدة في تاريخ السودان الصحي أسميها “ملاريا ما بعد الحرب”. وهي مرحلة لا تهدد المقيمين فحسب، بل تهدد في المقام الأول مليونين ومائة ألف سوداني عائد منذ عام 2023م من مصر والسعودية والإمارات وأوروبا ودول الخليج، عائدين إلى وطن مثخن بالجراح وبيئة موبوءة ومناعة مفقودة.

 

إن الأرقام وحدها ترسم حجم الكارثة القادمة. وفق التقرير الوبائي لوزارة الصحة الاتحادية لعام 2024م سجل السودان 3.4 مليون حالة ملاريا مؤكدة مخبرياً، بزيادة نسبتها 18% عن عام 2023م، وبلغت الوفيات المباشرة وغير المباشرة 12,400 حالة، 42% منها في الأطفال دون الخامسة. ولكن الرقم الأخطر لم يرد في التقرير الرسمي، وهو أن 73% من حالات الدخول للمستشفيات في الخرطوم والجزيرة ونهر النيل خلال الربع الأخير من 2024م كانت لمصابين بأعراض غير نمطية، منها الحمى اليومية المستمرة، وضيق التنفس، والالتهاب الرئوي الثانوي، وهي نفس الأعراض التي وصفها البروفيسور وسماها زميله البروفيسور أحمد مضوي موسى `pneumonic malaria`. هذا يعني أننا أمام تحور سلوكي للطفيلي أو أمام انهيار في مناعة المضيف، وربما الاثنان معاً.

 

لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الشراسة؟ الإجابة تكمن في ثلاثية استراتيجية لم يسبق أن اجتمعت في السودان بهذا الشكل. الركن الأول : هو العائدون فاقدو المناعة. تشير بيانات منظمة الهجرة الدولية IOM حتى أغسطس 202 إلى أن 2.1 مليون سوداني عادوا إلى البلاد منذ اندلاع الحرب، 60% منهم قضوا أكثر من 3 سنوات خارج السودان. والدراسة التي أجراها المعهد القومي للصحة في الخرطوم ونشرت في مارس 2025م أثبتت أن الفرد الذي يغيب عن البيئة الموبوءة لمدة 3 سنوات يفقد 80% من مناعته المكتسبة ضد الملاريا، ويصبح عرضة للإصابة الشديدة 8 مرات أكثر من المقيم. هؤلاء العائدون وصلوا منهكين جسدياً ونفسياً، يعانون سوء تغذية، وارتفاعاً في هرمون الكورتيزول، وهو ما يثبط المناعة الخلوية مباشرة، فوجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة بعوض الأنوفليس في موسم الخريف بلا أي دفاع.

 

الركن الثاني :هو التحور البيئي للبعوض نفسه. المسح الحقلي الذي نفذته الإدارة العامة لمكافحة الملاريا بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية في 6 ولايات خلال صيف 2024م كشف أن 73% من عينات بعوض الأنوفليس غامبيا وأرابيensis أصبحت مقاومة لمجموعة البيرثرويد، وهي المادة الفعالة في 90% من الناموسيات المشبعة والمبيدات الرذاذية المستخدمة حالياً. هذا يعني أن أدواتنا التقليدية في المكافحة أصبحت بلا تأثير، وأن البعوض اليوم أذكى وأقوى وأكثر شراسة. أضف إلى ذلك أن الحرب دمرت شبكات الصرف الصحي وتجمعت المياه الراكدة في 14 مدينة رئيسية، فتحولت إلى مزارع لإنتاج البعوض بمعدل غير مسبوق.

 

الركن الثالث والأخطر: هو انهيار جودة العلاج الذي شخصه البروفيسور بدقة. حين يفشل دواء الأنتميثر بسبب الغش وسوء التخزين، فإن الطفيلي لا يموت بل يضعف ثم يعود أقوى. وتشير بيانات مختبر الأبحاث بجامعة الخرطوم في يونيو 2025م إلى ظهور 3 طفرات جديدة في جين `pfk13` المسؤول عن مقاومة الأرتيميسين في 14% من العينات المفحوصة من ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار. هذا لم يكن موجوداً قبل 2022م. نحن إذن أمام طفيلي يقاوم الدواء، وبعوض يقاوم المبيد، وإنسان فقد مناعته. هذه معادلة انفجار وبائي محقق.

 

الكارثة الاقتصادية لهذا التحور تفوق الكارثة الصحية. تقدر دراسة البنك الدولي الصادرة في أبريل 2025م أن الخسارة الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للملاريا في السودان بلغت 1.8 مليار دولار في 2024م، أي ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الرقم يشمل تكلفة العلاج، وغياب العمالة، وتراجع الإنتاج الزراعي، ونفقات الجنازات. ولكن إذا استمر نمط `pneumonic malaria` في الانتشار بين العائدين، فإن التكلفة ستتضاعف ثلاث مرات بنهاية 2027م، لأن علاج الحالة الشديدة التي تحتاج عناية مركزة وأكسجين يكلف 15 ضعف تكلفة علاج الحالة البسيطة. نحن نتحدث عن نزيف دولاري سيبتلع أي ميزانية لإعادة الإعمار.

 

من هنا يفرض التحليل الاستراتيجي الانتقال فوراً من منطق “الاستجابة” إلى منطق “الاستباق”. ولا يمكن مواجهة “ملاريا ما بعد الحرب” ببروتوكولات ما قبل الحرب.

 

أقترح حزمة إجراءات عاجلة ضمن “حزمة إعادة إعمار السودان الصحية” تبدأ بإطلاق “المسح الوبائي القومي للتحور” خلال 90 يوماً بتمويل 15 مليون دولار، مهمته فحص 100 ألف عينة دم من العائدين والمقيمين في 18 ولاية لتحديد الخريطة الجينية للطفيلي ومقاومته للدواء، وربط النتائج بغرفة عمليات مركزية تعمل 24 ساعة. الحزمة الثانية هي إنشاء 20 “مركز إرشاد ووقاية للعائدين” في المطارات والمعابر البرية الرئيسية في وادي حلفا وأرقين والقضارف وبورتسودان. تقدم هذه المراكز ما أسميه “حقيبة العائد الصحي” وتشمل فحصاً سريعاً للملاريا، وجرعة وقائية واحدة، وشبكة ناموسية مشبعة، وبطاقة إرشاد باللغتين العربية والإنجليزية. تكلفة الحقيبة 12 دولاراً للفرد، وتوفر 800 دولار كانت ستصرف على علاج مضاعفاته.

 

الحزمة الثالثة هي إعلان “الخرطوم والجزيرة ونهر النيل” مناطق طوارئ وبائية لمكافحة البعوض المقاوم، والتحول فوراً من الرش بالبيرثرويد إلى استراتيجية المكافحة المتكاملة التي تشمل الدرونز لرش البؤر، واستخدام المبيدات الحيوية من نوع `Bti`، وتجفيف 80% من مصادر المياه الراكدة في المدن خلال 6 أشهر. وتشير تجربة إثيوبيا في إقليم أمهرة 2023م إلى أن هذا النموذج خفض حالات الملاريا الشديدة بنسبة 61% خلال عام واحد.

 

إن أخطر ما في “ملاريا ما بعد الحرب” أنها ليست مرض الفقراء فقط كما كان يعتقد. هي مرض العودة، ومرض إعادة الإعمار، ومرض الكوادر العائدة التي نحتاجها لبناء الوطن. طبيب عائد يصاب بملاريا رئوية يعني مستشفى كامل بلا مدير. مهندس عائد يصاب يعني مشروع إعمار يتوقف شهراً. كل حالة شديدة هي سهم في قلب خطة 2027-2037م.

 

الخلاصة أن شهادة البروفيسور مأمون حميدة وضعت يدها على نبض الخطر القادم. الملاريا تغيرت، والعدو تغير، والعائدون تغيروا، فهل تغيرت سياساتنا؟ إذا لم نطلق المسح القومي الآن.

وإذا لم نحاصر البعوض المقاوم الآن، وإذا لم نحتضن العائد بحقيبة صحية الآن، فسنستيقظ بعد عامين على وباء لا تبقيه المستشفيات ولا يوقفه الدواء. “ملاريا ما بعد الحرب” هي اختبار الدولة الأولى. إما أن ننجح فيه ونثبت أننا تعلمنا من الحرب، أو أن نفشل فيه ونثبت أننا لم نتعلم شيئاً.

 

نسأل الله أن يحفظ السودان وأهله العائدين، وأن يجعل هذه القراءة سبباً في إنقاذ ألف روح قبل أن يفوت الأوان.

 

” والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى