مقالات الظهيرة

(قعقعة الحروف)  د. عمر الفاروق حسن صالح قيلي. يكتب… كيف يصنع التفكير التربوي والتعلّم الاجتماعي أجيالاً حاسدة؟

الحلقة الخامسة

*بعد أن تتبّعنا في الحلقات السابقة الحسد الوظيفي من جذوره النفسية والاجتماعية، إلى تشوّهات الوعي ومتلازمة القبيلة، ثم إلى فضاء الإرهاب الرقمي والتزييف والميديا الاصطناعية، يبرز سؤال أكثر عمقاً وإلحاحاً ، من أين يبدأ كل ذلك؟

وهل يمكن أن يكون بعض ما نراه اليوم قد زُرع في عقولنا منذ الطفولة؟ عند البحث عن الجذور الأولى للحسد، يتجه علم النفس التربوي رأساً إلى التنشئة الاجتماعية الأولى وأساليب الوالدين في التربية. فالتربية المبنية على المقارنة المباشرة بين الأبناء أو الأقران، من قبيل: (انظر إلى ابن عمك)، أو (لماذا لست مثل فلان؟)، قد تزرع في ذهن الطفل أن قيمته الذاتية لا تنبع من ذاته وإنجازه، بل من كونه أفضل من غيره.*

*وهنا يبدأ التشوه المعرفي في التشكل؛ إذ يتحول التفوق من قيمة تُبنى بالاجتهاد إلى وسيلة للمقارنة، وتتحول نجاحات الآخرين من مصدر للإلهام إلى تهديد للذات. وقد يرافق هذا النمط الفرد حتى شبابه، بل وحتى لحظة التحاقه بالخدمة المدنية، حيث تتبدّل ساحات المنافسة، لكن تبقى آليات التفكير ذاتها.*

*وتُفسّر نظرية التعلّم الاجتماعي هذا الأمر بأن الأطفال يتعلمون أنماط الحسد والغيرة عبر الملاحظة والمحاكاة. فالطفل الذي ينشأ في بيئة منزلية أو مجتمعية تتغذى على تتبع عورات الناجحين، والتقليل من شأنهم، والبحث عن عيوبهم بدلاً من تقدير إنجازاتهم، قد يترسخ لديه تدريجياً مفهومٌ خطير: أن العالم مكان غير عادل، وأن المكانة لا تُكتسب بالإنجاز، وإنما تُنتزع من الآخرين بالضغينة والمنافسة السلبية.*

 

*(وهنا يعود السؤال: لماذا يحسد هذا الموظف زميله؟)*

 

*بل يصبح السؤال الأعمق: متى تعلّم أن نجاح الآخر تهديدٌ لنجاحه؟*

*ومن علّمه أن إسقاط الناجح أسهل من اللحاق به؟*

 

*إن إعادة صياغة المناهج التربوية والأنظمة الأسرية لتكريس التقدير الذاتي المستقل، وتدريب الناشئة على الذكاء العاطفي، وتعليمهم أن نجاح الآخرين لا ينتقص من نجاحهم، والاحتفاء بالإنجاز بدلاً من محاصرته بالمقارنة؛ هي من أهم السبل لتفكيك بنية الحسد المجتمعي والمهني من جذورها.فالحسد الوظيفي الذي نراه في المؤسسات اليوم قد لا يكون وليد المكتب، ولا ابن اللحظة؛ربما كان طفلاً صغيراً كبر معنا، وتعلم المقارنة قبل أن يتعلم المنافسة، وتعلم مراقبة الآخرين قبل أن يتعلم اكتشاف ذاته. لكن السؤال الذي يطرق باب الحلقة القادمة أخطر:*

*إذا كانت الأسرة والمدرسة والمجتمع قد ساهمت في تشكيل هذا الوعي، فكيف انتقل هذا الوعي المشوّه إلى المؤسسة؟ وكيف يتحول الحسد من شعور خفي داخل النفس إلى سلوك إداري قادر على إقصاء الكفاءة، وإفساد بيئة العمل، وربما هدم المؤسسة من الداخل؟*

 

*هناك… تبدأ الحكاية الأخطر.*

 

*في الحلقة القادمة من (قعقعةالحروف)نحدث عن ميثاق التعافي*

 

*كونوا معنا علي الموعد*

🌹🌹🌹🌹

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى