السيادة الدوائية أو الموت: كيف تقتل الأدوية المغشوشة السودان وتسرق دولاره

قراءات استراتيجية
“حزمة إعادة إعمار السودان الصحية 2027م – 2037م”
المقال الأول:
بقلم /الدكتور محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
سبتمبر 2026م
_______________
حمداً لله على سلامة البروفيسور مأمون حميدة، فقد جاءت شهادته “زيارتي لمستشفى علياء 2” كصفعة أيقاظ للدولة والمجتمع معاً، ليس لأنها تحدثت عن الملاريا فحسب، بل لأنها كشفت عن العدو الأخطر الكامن خلف المرض، وهو انهيار أمن الدواء في السودان. حين يقول البروف إن دواء الأنتميثر “فالصو” وحين يضطر مريض تحت رعاية أمهر الأطباء إلى دفع أربعين ألف جنيه لحقنة واحدة، وحين يتحول العلاج إلى سبب للمضاعفات الرئوية الحادة.
فإننا لا نواجه أزمة صحية عابرة، بل نواجه جريمة منظمة تستنزف أرواح السودانيين ودولاراتهم معاً. إن هذا المقال ليس تعقيباً عاطفياً، بل هو قراءة استراتيجية هيدروليكية متكاملة تربط بين نقطة الدواء المغشوش في صيدلية بطرف أم درمان وبين انهيار سعر الصرف في بنك السودان المركزي، وتربط بين موت طفل في مستشفى ريفي وبين قرار استيراد لم يخضع لرقابة.
إن الأرقام وحدها كافية لخلع القلب. وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية لعام 2024م فإن واحدة من كل عشر أدوية متداولة في الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات تكون إما مغشوشة أو دون المستوى أو مهربة، وفي السودان تضاعفت هذه النسبة ثلاث مرات بعد الحرب لتصل إلى ما يقارب 35% من سوق الدواء وفق المسح الميداني الذي أجراه الاتحاد السوداني للصيادلة في يونيو 2025م وشمل 14 ولاية. هذا يعني أنه من بين كل ثلاثة مرضى يتلقون علاجاً، هناك مريض واحد يتلقى سماً مقنناً.
وتقدر قيمة سوق الدواء في السودان قبل الحرب بـ 600 مليون دولار سنوياً، منها 420 مليون دولار استيراد، وبعد الحرب ومع إنهيار الجنيه وانهيار الرقابة قفزت فاتورة الاستيراد إلى 510 مليون دولار في 2024 بينما انخفضت الكمية الفعلية الداخلة بنسبة 22%، والفارق ذهب مباشرة إلى جيوب السماسرة وتجار التهريب الذين يدخلون الدواء عبر الحدود في عربات وجمال وحمير كما وصف البروف بدقة.
ثم يخزنونه في مخازن لا تصلح لتخزين الأسمنت والسيخ فضلاً عن أن تصلح لتخزين مادة حساسة للحرارة والرطوبة مثل الأنتميثر أو الكينين. النتيجة الحتمية هي ما رآه البروفيسور حميده بعينه، أدوية تفقد فعاليتها في الطريق فتصل إلى المريض كسائل بلا روح، أو كمسحوق يحمل مواد ضارة تدمر الكبد والكلى قبل أن تقتل الطفيلي.
ولكن الكارثة لا تتوقف عند حدود الصيدلية. إن انهيار المعمل القومي لضبط الجودة الذي كان يمثل صمام الأمان والذي أشار إليه البروفيسور بحسرة هو الكارثة الإستراتيجية الكبرى. هذا المعمل كان في عام 2018م مصنفاً ضمن أفضل ثلاثة معامل في أفريقيا جنوب الصحراء في مجال فحص جودة الأدوية، وكان يصدر شهادات معتمدة لدول الجوار، واليوم هو خارج الخدمة تماماً بسبب الدمار والنهب ونقص الكوادر والكواشف. غياب هذا المعمل يعني أن باب السودان أصبح مفتوحاً على مصراعيه أمام كل بضاعة فاسدة في العالم. وقد أظهرت بيانات الإدارة العامة للصيدلة بوزارة الصحة الاتحادية أن عدد شحنات الأدوية التي تم رفضها في الميناء انخفض من 240 شحنة في 2022م إلى 18 شحنة فقط في 2024م، ليس لأن الجودة تحسنت، بل لأنه ببساطة لا أحد يفحص.
وهنا يحدث النزيف المزدوج الذي تحدثت عنه، نزيف للدولار يخرج من خزينة الدولة لشراء دواء لا قيمة له، ونزيف للأرواح يخرج من بيوت السودانيين إلى المقابر. وتقدر دراسة غير منشورة لمركز الخبراء للدراسات الإنمائية أن الخسارة الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن الأدوية المغشوشة في السودان خلال عامي 2023م و 2024م بلغت 1.1 مليار دولار، وهذا الرقم يشمل تكلفة علاج المضاعفات، وتكلفة أيام العمل المفقودة، وتكلفة الوفيات التي كان يمكن تلافيها.
إن السؤال الإستراتيجي الذي يفرض نفسه الآن هو لماذا وصلنا إلى هنا؟ والإجابة ليست الحرب وحدها.
الحرب كشفت العورة ولكنها لم تخلقها. لقد كان لدينا نظام رقابي مركزي هش يعتمد على شخص الموظف لا على نظام المؤسسة، وكان لدينا اعتماد كلي على الاستيراد بنسبة 92% من قائمة الأدوية الأساسية، وكان لدينا تسعير جبائي يضغط على المستورد الشرعي فيدفعه إلى السوق الرمادي، وكان لدينا غياب لثقافة “السيادة الدوائية” التي تعني ببساطة أن الدولة التي لا تصنع دواءها لا تملك قرارها الصحي. وتجربة كوفيد 19 علمت العالم أن سلاسل الإمداد العالمية تنهار في الأزمات، وأن الدولة التي ليس لديها مصانع محلية تموت أولاً.
السودان الذي كان يصدر أدوية إلى تشاد وأفريقيا الوسطى ومورتانيا في ثمانينات القرن الماضي، أصبح اليوم يستورد حتى محلول الملح من الخارج.
ومن هنا تأتي الحتمية الإستراتيجية، وهي أن خيار السيادة الدوائية لم يعد رفاهية ولا شعاراً انتخابياً، بل أصبح شرط بقاء.
والسيادة الدوائية تعني القدرة على إنتاج 60% على الأقل من قائمة الأدوية الأساسية لمنظمة الصحة العالمية داخل السودان خلال عشر سنوات، وتعني امتلاك نظام رقابة لا يقهر، وتعني أن يكون المريض السوداني واثقاً بأن الحبة التي يبتلعها هي دواء وليست حجراً مطحوناً.
ولتحقيق ذلك أقترح حزمة إجراءات عاجلة ومتوسطة وطويلة المدى تبدأ بإنشاء “صندوق السيادة الدوائية القومي” برأس مال ابتدائي 300 مليون دولار، يتم تمويله من شراكة بين وزارة المالية بنسبة 40%، والقطاع الخاص الصيدلاني بنسبة 30%، والمانحين وصناديق المغتربين بنسبة 30%.
المهمة الأولى العاجلة لهذا الصندوق هي إعادة تأهيل المعمل القومي لضبط الجودة خلال 12 شهراً بتكلفة 80 مليون دولار وتزويده بأحدث أجهزة الكروموتوغرافي والطيف الكتلي، وربطه إلكترونياً بكل الموانئ والمعابر حتى لا تدخل شحنة واحدة دون فحص عشوائي إلزامي.
المهمة الثانية: هي إطلاق “برنامج توطين تصنيع أدوية الطوارئ والأمراض المتوطنة” ويبدأ بالقمح الدوائي للسودان وهو أدوية الملاريا والضغط والسكري والمضادات الحيوية الأساسية. السودان يملك 14 مصنعاً للأدوية معظمها متوقف بنسبة 70%، ومع إعادة تأهيلها بقروض ميسرة وضمانات شراء حكومي لمدة 5 سنوات يمكن رفع الطاقة الإنتاجية المحلية من 18% حالياً إلى 55% بحلول 2030م.
وتشير دراسة الجدوى التي أعدها مركز الخبراء فى الدائرة الاقتصادية إلى أن كل مليون دولار يستثمر في توطين صناعة الدواء يوفر 3.2 مليون دولار من فاتورة الاستيراد خلال 5 سنوات ويخلق 47 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
المهمة الثالثة : هي التحول الرقمي الكامل لسلسلة الإمداد الدوائي من خلال “باركود السيادة” وهو نظام تتبع إلكتروني إلزامي لكل علبة دواء تدخل السودان أو تصنع فيه، يمكن للمريض مسحه بالهاتف ليعرف تاريخ الإنتاج وبلد المنشأ وتاريخ الصلاحية، وهذا وحده سيقتل 80% من سوق التهريب خلال 18 شهراً.
إن المعارضين سيقولون لا نملك المال، وأقول لهم إننا نملك المال ولكننا نهدره. فاتورة علاج مضاعفات الأدوية المغشوشة وحدها تكلف الدولة 200 مليون دولار سنوياً، وفاتورة العلاج بالخارج بسبب فقدان الثقة في الدواء المحلي تكلف 350 مليون دولار سنوياً. أي أننا ننفق 550 مليون دولار سنوياً على الفشل. فإذا خصصنا نصف هذا المبلغ للسيادة الدوائية لانتهت المشكلة في 3 سنوات. وسيقولون لا نملك الكوادر، وأقول إن لدينا 12 ألف صيدلي سوداني في المهجر، و 4 آلاف كيميائي، وإذا لم نستدعهم الآن فمتى؟
الخلاصة التي أختم بها هذه القراءة الأولى من “حزمة إعادة إعمار السودان الصحية” هي أن قضية الدواء المغشوش التي كشفها البروفيسور مأمون حميدة من سرير المرض هي قضية أمن قومي من الدرجة الأولى. لا يمكن لدولة تريد أن تنهض أن تسمح لسماسرة الموت أن يتاجروا بأرواح شعبها.
السيادة الدوائية هي السيادة السياسية، وهي السيادة الاقتصادية، وهي الكرامة الإنسانية. لقد قال البروفيسور إن علياء صمدت، وأنا أقول إن على الدولة أن تصمد الآن وتصنع دواءها بيدها، فإما سيادة دوائية أو موت بطيء بالتقسيط. والحرب علمتنا أن من لا يملك قوته لا يملك قراره، ومن لا يملك دواءه لا يملك حياته.
نسأل الله أن يحفظ البروفيسور مأمون وأن يجعل هذه القراءة بداية لسياسة عامة تنقذ ما تبقى من صحة المواطن وهذا الوطن.



