رؤية السيادة النشطة 2027-2052: العقد الوطني لإنهاء أزمات السودان

سلسلة مقالات السودان أولاً: قراءات استراتيجية
“رؤية السيادة النشطة 2027-2052: العقد الوطني لإنهاء أزمات السودان
بقلم الدكتور محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
*أغسطس 2026م*
_______________
يخرج السودان في منتصف العقد الثالث من الألفية الثالثة من أطول اختبار وجودي واجهه منذ نيل الاستقلال، وهو اختبار لم يكن عسكرياً محضاً بقدر ما كان امتحاناً قاسياً لمعنى الدولة ذاتها ولجدوى العقد الاجتماعي الذي ظل معلقاً بين النصوص والواقع. لقد كشفت سنوات الحرب الأخيرة هشاشة المؤسسات وعجزها عن احتواء الصراع، كما كشفت اختطاف السياسة بواسطة السلاح وتحويل القانون من سقف جامع إلى أداة تفاوض تخضع لحسابات اللحظة. وفي خضم الانتصارات الميدانية التي حققتها القوات المسلحة السودانية خلال عامي (2024 و2025م) والتي أعادت للدولة حضورها السيادي المفقود، برز سؤال أخطر وأعمق من سؤال المعركة، سؤال يتعلق بماهية الدولة التي نريد استعادتها بعد الصمت الأخير للمدافع.
هل نعيد إنتاج الدولة ذاتها التي انهارت بأمراضها البنيوية، أم نؤسس لعقد وطني جديد يعالج أزمات السودان معالجة جذرية تمتد لأجيال قادمة. إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون وليدة رد فعل أو اتفاق عابر، بل تتطلب رؤية استشرافية تمتد من عام 2027م حتى عام 2052م، أي لربع قرن كامل، لأن بناء الدول لا يتم في دورة انتخابية ولا في مؤتمر صلح، وإنما يتم عبر تراكم مؤسسي وإرادة سياسية مستمرة.
إن الفكرة المركزية التي تقوم عليها هذه الرؤية هي أن السلام المستدام لا يصنعه العفو السياسي ولا المناجاة السرية خلف الأبواب المغلقة، بل تصنعه دولة سيادة نشطة تحتكم إلى القانون وتحترم المجتمع وتوزع الموارد بعدالة وتخرج السلاح من معادلة السياسة.
وهي رؤية تستلهم من تجربة “الحوار الوطني” إدراك أهمية الشمول، وتتجاوز في الوقت ذاته أخطاءه القاتلة المتمثلة في وهم الحياد وتعيين من يدير الحوار بمرسوم سياسي وشطب البلاغات الجنائية بدوافع لا علاقة لها بالدليل.
ومن هنا فإن المدخل الضروري لأي تأسيس هو ” إنشاء مفوضية مستقلة للحوار الوطني والحكم الرشيد” تكون ملكاً للدستور لا للحكومة ولا للمعارضة، وتعمل بمعايير شفافة ومعلنة للجميع.
إن التشخيص العلمى الاستراتيجي لواقع السودان يقودنا إلى حقيقة مفادها أن الأزمة سودانية بامتياز في جذورها وإن تداخلت فيها عوامل إقليمية ودولية. فمنذ الاستقلال ظلت النخبة تدير الدولة بمنطق توزيع المقاعد والغرف المغلقة لا بمنطق المؤسسات، وظل الفصل قائماً بين السلام والعدالة، وبين الحوار والقانون.
وقد أدى ذلك إلى تراكم اختلالات بنيوية تمثلت في مركزية مفرطة للسلطة، واقتصاد ريعي قائم على النهب والتهريب، وإفلات شبه كامل من العقاب، وغياب سردية وطنية جامعة قادرة على صهر التعدد في بوتقة المواطنة. وعليه فإن أي مشروع نهضوي قادم يجب أن يبدأ من تفكيك هذه الجذور الأربعة، لا من تجميل السطح.
إن الركيزة الأولى لأي نهوض هي استعادة الدولة القانونية باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه السيادة النشطة. فلا معنى لسيادة بلا قانون، ولا قانون بلا قضاء مستقل. ويقتضي ذلك إصدار قانون جديد للنيابة العامة يمنع أي تدخل تنفيذي في مسار البلاغات الجنائية المتعلقة بالخيانة والإرهاب والعدوان على الدولة، ويجعل المعيار الوحيد هو البينة والدليل لا الموقع السياسي أو الحزبي. كما يتطلب الأمر دستوراً انتقالياً لعامين تضعه لجنة خبراء مستقلة من القانونيين والأكاديميين ثم يعرض على الشعب في استفتاء حر، لا أن يكتبه تحالف سياسي أو مجموعة مبادرة مختارة.
وعلى صعيد الحكم، فإن السودان بحاجة إلى نظام إقليمي فيدرالي عادل يمنح الأقاليم سلطات مالية وتشريعية واسعة مع الحفاظ على وحدة السيادة الخارجية والعملة والجيش، فاللامركزية هنا ليست ترفاً إدارياً بل ضرورة وجودية لاحتواء التنوع ومنع عودة النزعات الانفصالية.
أما الركيزة الثانية فهي إعادة بناء الحكم الرشيد والمؤسسات عبر إنشاء “المفوضية القومية للحوار الوطني والحكم الرشيد” بقانون يصدره البرلمان الانتقالي. وتتكون هذه المفوضية من خمسة عشر عضواً من القضاة والخبراء والأكاديميين المستقلين غير المنتمين لأحزاب، وتتولى تحديد معايير المشاركة وإدارة جدول الأعمال ومتابعة التنفيذ علناً أمام الرأي العام. ويجب أن يقترن ذلك بإصلاح جذري للخدمة المدنية يقوم على الكفاءة لا الولاء، مع إعادة هيكلة ثلاثين بالمائة من الوظائف العليا خلال خمس سنوات، وبإنشاء ديوان مراجعة مستقل وربط كل العقود الحكومية بنظام رقمي مفتوح يتيح الرقابة المجتمعية ويغلق أبواب الفساد.
إن التحول السياسي لن يصمد إذا لم يسنده تحول اقتصادي حقيقي ينهي اقتصاد الحرب واقتصاد النهب ويؤس لاقتصاد إنتاجي عادل. ويبدأ ذلك بإنشاء بنك تنمية قومي برأسمال لا يقل عن ملياري دولار لتمويل الزراعة والصناعة التحويلية، مع إلغاء الإعفاءات الضريبية العشوائية التي كرست اقتصاد المحاسيب.
وفي ملف الموارد، لا بد من تأسيس شركة قومية للتعدين تخضع لرقابة البرلمان وتصدر تقارير ربع سنوية عن الإنتاج والصادر، مع تأميم عشرين بالمائة من شركات التعدين الكبرى لصالح الدولة. كما يجب الانتقال من دعم السلع إلى دعم نقدي مباشر مشروط بالتعليم والصحة والخدمات ، فهو أكثر عدالة وأقل كلفة وأكثر قدرة على استهداف الفئات الأشد فقراً. إن السودان يمتلك 200 مليون فدان صالحة للزراعة و1700 كيلومتر ساحل وموارد معدنية تقدر بملايين الأطنان، ولكن العجز في الميزان التجاري بلغ 3.2 مليار دولار في 2024، وهذا يعني أن لدينا جغرافيا قوة واقتصاد ضعف، والمعادلة لا تستقيم إلا إذا تحول الموقع والموارد إلى قيمة مضافة.
وفي صميم الدولة يأتي ملف الأمن والإصلاح العسكري. فالدولة التي لا تحتكر العنف المشروع لا تحتكر القرار. ويقتضي ذلك وضع جدول زمني واضح لا يتجاوز ستة وثلاثين شهراً لدمج وتسريح كل التشكيلات المسلحة خارج القوات المسلحة تحت إشراف أممي وإقليمي، وإخضاع جهاز المخابرات العامة للقانون وتحديد مهامه في جمع المعلومات وتحليلها لا في إدارة الاقتصاد أو التدخل في السياسة. كما يجب صياغة عقيدة عسكرية جديدة تقوم على حماية الدستور والدفاع عن السيادة لا على إدارة المشهد السياسي، لأن تجربة السودان أثبتت أن عسكرة السياسة تعني تسييس العسكر وانهيار الاثنين معاً.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل دون مواجهة الماضي. فالسلام الذي يتجاهل العدالة هو سلام مؤقت يمهد لحرب جديدة. وعليه فإن الرؤية تقترح إنشاء محاكم خاصة للجرائم الكبرى تعمل باستقلال تام، ولجنة حقيقة ومصالحة توثق الانتهاكات منذ عام 1989م وتقدم تعويضات للضحايا تقدر بخمسمائة مليون دولار على مراحل، ومنهجاً دراسياً جديداً يعترف بجراح الجميع دون تزييف أو إقصاء. إن المبدأ هنا واضح: المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولكن الموقع السياسي ليس جواز مرور فوق القانون.
إن أزمة السودان هي في جوهرها أزمة هوية وسردية. فالسودان ليس قبيلة كبرى ولا مشروعاً إثنياً، بل أمة متعددة. ويقتضي ذلك قانون هوية واضح يفصل بين المواطنة والانتماء الإثني، ومشروعاً قومياً للثقافة واللغات المحلية، وهيئة مستقلة للإذاعة والتلفزيون تضمن تعددية حقيقية لا احتكاراً. كما أن صراع المستقبل سيكون على الماء والأرض والمناخ، مما يستدعي مجلساً قومياً للمياه وترسيم مسارات الرعي ومعالجة التصحر والاستثمار في الطاقة الشمسية في شمال السودان حيث يتجاوز سطوع الشمس ثلاثة آلاف ساعة سنوياً.
أما مستقبل الشباب فهو مستقبل الدولة ذاته. وأزمة السودان في عمقها أزمة عقل ومعرفة. ولذلك يجب إقرار مجانية التعليم الأساسي وإصلاح المناهج، وإنشاء صندوق قومي للبحث العلمي، وتوجيه الشباب نحو مشاريع الإنتاج والإنتاجية صغيرة مدعومة تمويلياً وفنياً.
وفي السياسة الخارجية، يجب أن يقوم المبدأ على عدم التدخل وسياسة خارجية متوازنة تبحث عن التكامل الاقتصادي مع الجوار، وعلى معالجة ملف النيل والسدود بالتفاوض العلمي لا بالمواجهة، لأن أمن السودان يبدأ من استقرار جواره.
إن أي رؤية كبرى بلا مؤشرات قياس تتحول إلى خطاب إنشائي لا يمكن مساءلته. ولذلك فإن “رؤية السيادة النشطة” تقوم على خمس مؤشرات قومية كبرى يتم قياسها وتقييمها كل سنتين أمام البرلمان والرأي العام.
المؤشر الأول هو خفض نسبة الاعتماد على استيراد القمح من 70% إلى أقل من 20% بحلول عام و2025م عبر التوسع في الري المحوري وتوطين زراعة القمح في الشمالية ونهر النيل.
المؤشر الثاني هو رفع مساهمة الصناعة التحويلية في الناتج القومي من 8% إلى 25% بحلول عام 2040 عبر إنشاء مدن صناعية زراعية على ضفاف النيل.
المؤشر الثالث هو تخفيض متوسط زمن التقاضي في قضايا الفساد والمال العام والجرائم ضد الدولة إلى ستة أشهر كحد أقصى، بما يعيد الثقة في العدالة.
المؤشر الرابع هو وصول نسبة تشغيل الشباب في القطاعات الإنتاجية والخدمية الحديثة إلى 40% من إجمالي القوى العاملة بحلول 2045م.
المؤشر الخامس هو خفض كلفة التأمين البحري عبر ميناء بورتسودان بنسبة 50% بعد تحديثه ورفع طاقته الاستيعابية إلى مليوني حاوية سنوياً. بدون هذه المؤشرات تظل الرؤية نية حسنة، وبها تتحول إلى عقد أداء بين الدولة والمواطن.
كما أن الحديث عن التأسيس يستدعي حديثاً صريحاً عن، التمويل والشركاء، لأن السؤال الذي تطرحه كل العواصم والمانحين والمؤسسات الدولية هو: من يدفع؟…
إن تنفيذ هذه الرؤية خلال خمس وعشرين عاماً يتطلب استثماراً تقديرياً لا يقل عن خمسة وعشرين مليار دولار. أربعون بالمائة من هذا المبلغ يجب أن يأتي من مواردنا الذاتية عبر إصلاح هيكل الجمارك والضرائب وقطاع الذهب وإغلاق منافذ التهريب واسترداد الأموال المنهوبة. وثلاثون بالمائة من شراكات استراتيجية مع تركيا والصين ودول الخليج في البنية التحتية والطاقة والتصنيع الحربي والمدني وفق عقود سيادية شفافة ومحددة المدة لا تخل بالسيادة. وعشرون بالمائة من مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية مقابل التزام بإصلاحات الحوكمة ومكافحة الفساد. وعشرة بالمائة من المغتربين السودانيين عبر طرح سندات سيادية مضمونة بمشاريع إنتاجية حقيقية في الزراعة والتعدين والطاقة. هذا المزيج يغلق الباب أمام تهمة الطوباوية ويجعل الرؤية قابلة للتسويق والعرض على طاولة الشركاء الدوليين والإقليميين.
ولا بد من قول الحقيقة كاملة بجرأة العلماء لا بمجاملة السياسيين. إن تجاهل هذه الرؤية والعودة إلى منطق المحاصصة وشطب البلاغات السياسية وتوزيع السلطة دون بناء الدولة سيقودنا حتماً إلى سيناريو الفشل. فبحلول عام 2035م سنكون أمام دولة بلا ميناء فاعل ولا صناعة ولا زراعة، واقتصاد 80% منه تهريب واقتصاد ظل، وجيش يقاتل خمس مليشيات جديدة، وتعليم منهار وصحة مدمرة وجيل كامل بلا أمل ولا مستقبل. التاريخ لا يرحم الدول التي تنتصر في الميدان ثم تنهزم في الإدارة، ولا يغفر للنخب التي حولت الانتصار العسكري إلى هزيمة مدنية.
إن هذه الرؤية تترجم إلى مائة توصية استراتيجية محددة بجداول زمنية وميزانيات ومؤشرات قياس، يصدرها “المجلس القومي للتأسيس” ويشرف على تنفيذها عبر خمس خطط خماسية. وأبرزها إصدار قانون استقلال النيابة خلال ستة أشهر، وإنشاء المفوضية القومية للحوار خلال تسعين يوماً، وطرح الدستور للاستفتاء قبل نهاية 2028، وإقرار نظام الحكم الإقليمي في 2029، وإطلاق بنك التنمية القومي وشركة التعدين القومية في 2027م.
إن الخلاصة التي تفرضها الوقائع هي أن أزمة السودان ليست أزمة أشخاص بل أزمة بنية. والحل ليس في اتفاق جديد يوزع السلطة، بل في عقد جديد يوزع الحقوق والواجبات. لا سلام بلا قانون، ولا قانون بلا مؤسسات، ولا مؤسسات بلا إرادة. وإذا اخترنا طريق المناجاة السرية وشطب البلاغات السياسية فسنعيد إنتاج الحرب بعد عشر سنوات. أما إذا اخترنا طريق المفوضية المستقلة وسيادة القانون واقتصاد الإنتاج فإننا نؤس لدولة تعيش مائة عام. إن التأسيس مؤلم ومكلف، ولكنه بلا شك أرخص بكثير من كلفة الانهيار.



