حين ينادي الوطن أبناءه… أيُّ عذرٍ يبقى للوفاء؟

رؤية وطنية…. نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
بقلم: أبوعبيدة أحمد علي
ليس للوطن صوتٌ يُسمع كما تُسمع أصوات الناس، ولكنه حين يتوجع تتحدث جراحه بلسان الأمهات الثكالى، وتبكي شوارعه بدموع الذين فارقوا الديار، وتنادي حقوله المهجورة سواعد أبنائها، وتظل أبوابه، على الرغم من عواصف المحن، مشرعةً لكل قلبٍ لم ينسَ أن له في هذه الأرض جذورًا، وفي ترابها حكاية، وفي سمائها أمنية.
وما أقسى الغربة حين يكون الوطن جريحًا! وما أشد وطأة البعد حين تتناقل الأخبار أنين المدن، وتستحضر الذاكرة وجوه الأحبة، وتمرّ بالإنسان صور البيت الذي تركه، والشارع الذي عرف خطاه، والمسجد الذي ألف دعاءه، والوجوه التي كانت تمنح أيامه معناها، فيشعر أن المسافات، مهما اتسعت، لا تستطيع أن تفصل الروح عن موطنها الأول.
إن السودان اليوم ليس مجرد اسمٍ على خارطة، ولا ذكرى نستعيدها حين يضيق بنا الحنين؛ إنه وطنٌ أثقلته المحن، وامتحنته الحرب، وأوجعت أهله مشاهد الفقد والنزوح والشتات، ولكنه، رغم ذلك كله، لا يزال وطنًا يستحق أن نؤمن به، وأن نعمل من أجله، وأن نحفظ للأجيال القادمة حقها في أن ترث أرضًا آمنةً، ودولةً مستقرةً، ومستقبلًا لا تطارده أشباح المأساة.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: متى نعود فحسب؟ وإنما: كيف نعود؟ ولماذا نعود؟ وماذا نحمل معنا حين تطأ أقدامنا أرض الوطن من جديد؟
إننا نعود لأن الوطن ليس فندقًا نغادره حين تضطرب أحواله، ثم ننتظر حتى تكتمل أسباب الراحة لنطرق أبوابه؛ ولكنه، في الوقت نفسه، ليس مغامرةً يُدفع إليها الناس دون اعتبار لأمنهم وأطفالهم وأرزاقهم وظروفهم.
فالوطنية لا تعني أن يتجاهل المرء مسؤولياته، ولا أن يلقي بأسرته في المجهول، وإنما تعني أن يجعل لوطنه نصيبًا من تفكيره وعمله وماله وخبرته، وأن يستعد للعودة حين تتوافر أسبابها المعقولة، وأن يظل وفيًّا لوطنه حتى إن حالت بينه وبين العودة ظروفٌ لا يملك دفعها.
فكم من سودانيٍّ أبعدته الحرب عن داره، ولكن قلبه لم يغادرها! وكم من مغتربٍ يحمل في غربته وجع أهله، ويدخر من كسب يده ما يستطيع به أن يعين قريبًا، أو يسند أسرةً، أو يساهم في علاج مريض، أو يدعم طالب علم، أو يهيئ لعودةٍ كريمةٍ حين تسمح الأحوال!
أولئك أيضًا من أبناء الوطن، ولهم في سجل الوفاء صفحاتٌ لا تمحوها المسافات. فلا ينبغي أن نجعل العودة الجسدية وحدها مقياسًا للوطنية، ولا أن نحاكم ظروف الناس من بعيد؛ وإنما ينبغي أن نفتح أبواب المشاركة لكل سودانيٍّ قادر، في الداخل أو الخارج، حتى تتكامل الأيدي، وتتلاقى الخبرات، ويصبح حب السودان عملًا ملموسًا لا مجرد عاطفةٍ حبيسة الصدور.
يا أبناء السودان في المهاجر والشتات، إن وطنكم لا يحتاج منكم الحنين وحده، وإنما يحتاج إلى ما وراء الحنين من فعلٍ وإرادة.
يحتاج إلى الطبيب الذي يداوي الجراح، والمهندس الذي يعيد بناء ما تهدم، والمعلم الذي ينير عقول الناشئة، والمزارع الذي يردّ الحياة إلى الأرض، والعامل الذي يدير عجلة الإنتاج، ورجل الأعمال الذي يستثمر في مستقبل البلاد، والشباب الذين يحملون أحلامًا جديدة، والنساء اللاتي أثبتن أن صبرهن وقدرتهن على العطاء من أعمدة صمود المجتمع.
ويحتاج كذلك إلى الكلمة الأمينة التي تجمع ولا تفرق، والعقل الذي يراجع الأخطاء بشجاعة، واليد التي تبني ولا تهدم، والضمير الذي يرفض الفساد، واللسان الذي يصون كرامة الناس، والقلب الذي يتسع للسودانيين جميعًا، على اختلاف جهاتهم وثقافاتهم وآرائهم وانتماءاتهم.
فليس من المعقول أن ننتظر بناء السودان بأدوات الفرقة ذاتها التي أنهكت مجتمعه، ولا أن نطلب مستقبلًا جديدًا بعقولٍ أسيرةٍ لخصومات الماضي. إن اختلاف الرأي لا يبيح هدم الوطن، والانتماء السياسي لا يمنح أحدًا حق احتكار الوطنية، والاختلاف بين السودانيين لا ينبغي أن يتحول إلى جدارٍ يفصل الأخ عن أخيه.
لقد آن لنا أن نضع السودان في موضعه الذي يستحق؛ فوق المصالح الضيقة، وفوق المناكفات العابرة، وفوق الحسابات التي لا ترى من الوطن إلا ما يخدم أصحابها. فالدولة لا تُبنى بالإقصاء، ولا تستقر بالكراهية، ولا تنهض إلا بمؤسساتٍ عادلة، وقانونٍ يسري على الجميع، وحقوقٍ مصونة، وواجباتٍ يؤديها المواطن والمسؤول على السواء.
غير أن نداء الوطن إلى أبنائه لا يعفي الدولة ومؤسساتها من واجباتها. فالعودة الآمنة ليست أمنيةً تُلقى على عاتق المواطن وحده، وإنما مشروعٌ وطنيٌّ متكامل يحتاج إلى استعادة الأمن، وتأهيل الخدمات الأساسية، وإصلاح المرافق الصحية والتعليمية، وإعادة تشغيل الأسواق والمصانع والمشروعات الزراعية، وتهيئة فرص العمل، وصيانة كرامة العائدين وحماية حقوقهم.
ومن حق المواطن أن يسأل عن أمن أطفاله، ومصدر رزقه، ومدرسته، ومستشفاه، وبيته، ومستقبل أسرته. ومن واجب المؤسسات المعنية أن تجيب بالفعل والخطط الواضحة، وأن تجعل عودة النازحين واللاجئين والمغتربين جزءًا أصيلًا من برنامج التعافي الوطني، لا مجرد أمنيةٍ موسمية تتردد في المنابر.
إننا لا نريد عودةً إلى الخرائب لكي نقف أمامها باكين، بل نريد عودةً تفتح أبواب العمل، وتعيد الحياة إلى الأحياء، وتزرع الطمأنينة في قلوب الأمهات، وتمنح الأطفال حقهم في التعليم واللعب والأحلام. نريد عودةً تحفظ للإنسان كرامته، وتمنحه فرصة المشاركة في صنع مستقبله، وتحوّل مرارة التجربة إلى حكمةٍ تمنع تكرار المأساة.
ولعل من أعظم ما ينبغي أن نتعلمه من هذه المحنة أن الوطن لا يُختزل في حكومةٍ أو حزبٍ أو جماعة، ولا يملكه جيلٌ دون جيل، وإنما هو أمانةٌ مشتركة بين جميع أبنائه. فإذا اتفقنا على صون وحدته، واحترام تنوعه، وإعلاء قيمة المواطنة، والاحتكام إلى القانون، أصبح اختلافنا مصدر ثراءٍ، لا معول هدم؛ وأصبح الحوار سبيلًا للتفاهم، لا ذريعةً لإشعال الخصومات.
يا أبناء السودان، لا تجعلوا الغربة تنسيكم أن لكم وطنًا ينتظر نصيبكم من العطاء، ولا تجعلوا المحنة تقنعكم بأن المستقبل قد أُغلق في وجوهكم. فإن الأرض التي أنجبت أجيالًا من الكادحين والمبدعين، وأخرجت من حقولها رجالًا ونساءً عرفوا الصبر والعمل، قادرةٌ بإذن الله على أن تستعيد عافيتها متى اجتمعت الإرادة، وصحّ التدبير، وتقدمت المصلحة الوطنية على سواها.
عودوا حين تكون العودة ممكنةً وآمنة، وساهموا من حيث أنتم حين تحول الظروف دونها. أعيدوا بناء الثقة بين الناس، وأعينوا المحتاج، وساندوا التعليم والصحة والإنتاج، وافتحوا أبواب المعرفة والاستثمار، وعلّموا أبناءكم أن السودان ليس ساحةً للصراع، وإنما وطنٌ ينبغي أن يتسع للجميع.
ولا تنتظروا أن يقوم السودان بجهد الآخرين وحدهم؛ فالأوطان لا تنهض بالأمنيات، ولا تستعيد عافيتها بكثرة المراثي، وإنما تنهض حين يتحول الحنين إلى مبادرة، والمبادرة إلى مشروع، والمشروع إلى عملٍ متواصل، والعمل إلى مؤسساتٍ تحفظ الإنجاز وتورثه للأجيال.
خاتمة: عهدٌ بيننا وبين السودان
إن الوطن الذي نحب لا يطلب منا أن نبكيه إلى الأبد، بل أن نمدّ إليه أيدينا ليقوم. ولا يريد منا أن نحصي جراحه فحسب، بل أن نشارك في مداواتها. ولا ينتظر أن نتفق في كل شيء، وإنما أن نتفق على أن بقاءه موحدًا، وصون كرامة إنسانه، وإعادة بناء دولته، أمانةٌ لا يجوز التفريط فيها.
فليكن عهدنا مع السودان أن نختلف دون أن نتباغض، وأن ننتقد دون أن نهدم، وأن نعمل دون أن ننتظر الثناء، وأن نضع مصلحة الوطن فوق كل مصلحةٍ ضيقة. وليكن شعارنا أن العودة ليست نهاية رحلة الغربة فحسب، بل بداية رحلة الوفاء؛ وأن البناء ليس مهمة الآخرين، بل مسؤولية كل من يملك قدرةً على العطاء.
وسيبقى السودان، بإذن الله، أكبر من جراحه، وأوسع من خلافات أبنائه، وأبقى من المحن التي تعبر به. وسيظل في القلب وطنًا لا يُنسى، وفي الضمير أمانةً لا تسقط، وفي المستقبل وعدًا يستحق أن نعمل من أجله.
فيا سوداننا الحبيب، إن طال البعاد فلن يطول نسيانك، وإن أثقلت الجراح جسدك فلن تنطفئ محبتك في قلوب أبنائك. سنظل نذكرك في غربتنا، ونحملك في دعائنا، ونعمل بما نستطيع من أجل أن نراك يومًا تسترد عافيتك، وتلتئم جراحك، ويعود أبناؤك إلى ربوعك آمنين مطمئنين.
أبدًا ما هنتَ يا سودانُنا يومًا علينا، ونحنا في السودان نهوى أوطانا، وإن رحلنا بعيدًا نطرا خلّانا.
حفظ الله السودان وأهله، وجمع كلمتهم على الخير، وألّف بين قلوبهم، وردّ النازحين واللاجئين إلى ديارهم ردًّا كريمًا آمنًا، وجعل أيام المحنة آخر أحزانهم، وأيام البناء أول أفراحهم.
آمين يا رب العالمين.
أبوعبيدة أحمد علي عباس
البريد الإلكتروني: abuobidaabass949@gmail.com
00201147373693 | 00201096351339



