كيف نطهر البلاد من الحسد والحقد المجتمعي!!
بقلم: علاء الدين محمد أبكر:
تُعد ظاهرة الحسد والحقد المجتمعي من أكبر المشاكل التي تعيق نهضة بلادنا وتؤخر مسيرة الإنتاج والتعاون بين أبنائها، فكم من كفاءة حُوربت، وكم من مشروع تعطّل، وكم من علاقات تقطّعت، ليس بسبب نقص في الموارد، بل بسبب مرض خفي يسكن القلوب. والحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير والاعتراض على عطاء الله، وهو آفة اجتماعية وأخلاقية خطيرة تهدد استقرار الفرد والمجتمع.
وما حدث لبلادنا خاصة إبان هذه الحرب اللعينة ترجع نسبة كبيرة منه إلى الحسد والكراهية، فالحرب لم تكن فقط رصاصا ومدافع، بل كانت انعكاسا لما تراكم في النفوس من غل وحقد وحب انتقام، فعندما يمتلئ القلب بالكراهية للآخر يصبح من السهل عليه أن يدمر بيته وينهب ماله ويشرد أهله دون وازع من ضمير. لقد رأينا كيف أن كثيرا من الانتهاكات والوشايات وتدمير مؤسسات الدولة كان دافعه الأول هو الحقد الطبقي والاجتماعي والحسد وليس مجرد خلاف سياسي.
إن تأثير الحسد يبدأ بصاحبه أولا، فيورثه الهم والغم والحزن المستمر، وقد شبهه العلماء بالنار التي تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وهو كذلك يفسد العلاقات بين الأقارب والأصدقاء والجيران وزملاء العمل ويولد الأحقاد والعداوات ويعطل عجلة التنمية. وقد اعتبره الإسلام من أمراض القلوب الخطيرة ونهى عنه نهيا قاطعا لما يسببه من تفكك اجتماعي واعتراض خفي على حكمة الله وقدره.
ولا يمكن أن نطهر البلاد من هذه الآفة بقرارات حكومية فقط، بل بالتوعية والتوجيه، وهنا يأتي الدور المحوري لمؤسستين عظيمتين هما المدرسة والمسجد. فالمدرسة هي المصنع الحقيقي للأخلاق، ويجب على المعلمين والمعلمات غرس قيم الرضا والقناعة وحب الخير للآخرين في نفوس التلاميذ منذ الصغر، عبر الحصص والأنشطة والإذاعة المدرسية، وأن نعلم أبناءنا أن نجاح زميلك لا يعني فشلك. أما المسجد فهو منبر القلوب، وعلى أئمتنا الأجلاء أن يخصصوا خطب الجمعة والدروس اليومية للحديث عن أمراض القلوب وضرر الحسد والبغضاء، وأن يذكروا الناس بأن الحسد هو أول ذنب عُصي الله به في السماء، وهو سبب أول جريمة قتل على الأرض حين حسد قابيل هابيل، فكلمة صادقة من الإمام قد تطفئ نار فتنة في حي كامل.
أما على المستوى الشخصي فالوقاية تكون بالتحصن بالأذكار والمداومة على قراءة القرآن الكريم وخاصة المعوذتين وأذكار الصباح والمساء، وبتقوية الإيمان بقضاء الله وقدره واليقين بأن الأرزاق مقسومة وأن رزقك لن يأخذه غيرك، وبتزكية النفس وتطهير القلب من الغل والدعاء بالبركة لكل من نرى عنده نعمة، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وكذلك من الحكمة كتمان النعم وعدم الإفراط في إظهارها والمباهاة بها أمام من في قلبه مرض.
إن بناء الوطن بعد الحرب لا يكون بالطوب والأسمنت فقط، بل يبدأ أولا ببناء الإنسان وتطهير قلبه، فإذا صفت القلوب تصافت الأيدي، وإذا تصافت الأيدي بُنيت البلاد من جديد، فلنجعل شعارنا في المرحلة القادمة نطهر القلوب قبل أن نبني البيوت
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com.



