ثلاثية الإنقاذ النقدي: بورصة الذهب وتكتل الصمغ العربي وصناعة اللحوم المبردة كمدخل لإنهاء أزمة الدولار في السودان

بقلم: الدكتور محمد عوض محمد متولى*
*المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات*
*سبتمبر 2026م*
_______________
لم يعد انحدار سعر صرف الجنيه السوداني مجرد انعكاس لتقلبات يومية في العرض والطلب. فمن متوسط مرجح بلغ 2,742.87 جنيه للدولار في البنوك التجارية نهاية سبتمبر 2025، إلى 2,892.68 جنيه بنهاية فبراير 2026م، وصولاً إلى 3,282.02 جنيه في مايو 2026م، تجاوزت الأزمة حدود السياسة النقدية لتصبح أزمة هيكل تجاري بحت. وفي الوقت نفسه تهرب من البلاد سنوياً ما لا يقل عن 4.7 مليار دولار من ثلاث سلع فقط. الذهب يخرج خاماً، والصمغ يُباع تراباً، والماشية تُصدر حية. هذه ليست أزمة نقدية في المقام الأول. هذه أزمة إدارة محفظة صادرات سيادية.
المعادلة بسيطة وقاسية في آن. قوة أي عملة تقاس بقدرتها على تغطية الطلب على النقد الأجنبي الناتج عن الاستيراد عبر ما تحصله من حصائل الصادرات.
ووفق بيانات بنك السودان المركزي، سجل الحساب الجاري في 2025م عجزاً قدره 4,239.5 مليون دولار، فيما اتسع عجز ميزان السلع والخدمات إلى 4,195.4 مليون دولار، مع تراجع الصادرات إلى 2,639.4 مليون دولار مقابل واردات بلغت 5,846.4 مليون دولار.
هذه الفجوة المزمنة هي الوقود الحقيقي للسوق الموازي الذي وصل فيه سعر الشراء في الصرافات إلى 3,816.40 جنيه في مايو 2026م. ويكشف هذا التباعد بين السعر الرسمي والموازي أن المشكلة لم تعد في أدوات البنك المركزي بقدر ما هي في اختلال بنية العرض التصديري.
يمكن إرجاع الانهيار الحاد للجنيه إلى أربعة محركات تجارية واقتصادية رئيسية.
أولها انهيار قاعدة العرض التصديري. تسببت الحرب وتوقف سلاسل الإمداد في تراجع الصادرات السلعية من 3,628.4 مليون دولار في 2023م إلى 3,134.5 مليون دولار في 2024م ثم إلى 2,639.4 مليون دولار في 2025م. أي انكماش بنسبة 27.2% خلال عامين.
هذا التراجع حرم البنك المركزي والجهاز المصرفي من المورد الرئيسي للعملات الصعبة اللازمة لتمويل الواردات الأساسية.
ثانيها اتساع العجز التجاري الهيكلي. استمر الاعتماد الكامل على استيراد القمح والمشتقات النفطية والدواء والمدخلات الصناعية.
النتيجة كانت قفزة في عجز ميزان السلع والخدمات من 2,410.3 مليون دولار في 2024م إلى 4,195.4 مليون دولار في 2025م.
هذا العجز يولد طلباً دائماً على الدولار لتغطية الاعتمادات المستندية في ظل انهيار معظم القواعد الإنتاجية في القطاع الصناعي.
ثالثها تسرب حصائل الصادرات بسبب غياب البورصات المنظمة وقنوات التسعير الشفافة.
أبرز تجليات الخلل في قطاع الذهب. أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية إنتاج 70 طناً في 2025م بنسبة تنفيذ 113% من المستهدف، وهو الأعلى في خمس سنوات. لكن الصادرات الرسمية من يناير إلى أكتوبر 2025م بلغت 53 طناً فقط بقيمة 909 مليون دولار. بينما تشير تقديرات إلى أن الإنتاج الفعلي يتجاوز 70 طناً بعائد عالمي يفوق 6 مليار دولار. الفجوة بين الإنتاج والتصدير الرسمي تفسر حجم التهريب. ففي 2024م صدر رسمياً ما بين 22.9 و 31 طناً بقيمة 1.57 مليار دولار، في حين تم تهريب ما بين 40% و 70% من الإنتاج عبر قنوات غير رسمية. وينطبق الأمر ذاته على الصمغ العربي والمنتجات الزراعية الأخرى التي تسربت خارج القنوات الرسمية.
رابعها تشوه الهيكل النقدي وتمدد السوق الموازية. مع وجود معظم الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي بسبب سياسات التمويل بالعجز لتغطية المصروفات، أصبح السوق الموازي المحدد الأساسي لسعر الصرف. في فبراير 2026م بلغ سعر البيع في الصرافات 3,306.82 جنيه مقابل 2,918.43 جنيه في البنوك. وغياب آليات التحوط التجاري دفع التجار والمستوردين إلى تسعير منتجاتهم بناءً على تحوطات مخاطر عالية، مما أدخل الاقتصاد في دورة مفرغة من التضخم الحلزوني وتآكل القوة الشرائية.
في مواجهة هذا التشخيص، تطرح هذه الدراسة مقاربة تنفيذية استراتيجية قائمة على إدارة محفظة الصادرات السيادية وفق منهجي إدارة المشاريع الاحترافية PMP وإدارة المخاطر PMI-RMP. بدلاً من التعامل مع السلع الثلاث كأنشطة تجارية منفصلة، يجب إدارتها كمحفظة استثمارية وتجارية سيادية موحدة يعاد بناء مكوناتها وتوجيهها نحو هدف استراتيجي محدد وهو تأمين غطاء النقد الأجنبي واستقرار الجنيه السوداني.
المكوّن الأول هو الذهب باعتباره أصل السيولة السريعة. يُعد الذهب سفيراً فوق العادة لتوليد النقد الأجنبي فوراً. لكن التحدي ليس الإنتاج بل التسويق والتصدير. في 2025م انخفضت الصادرات الرسمية للذهب إلى 14.7 طن مقارنة بـ 22.9 طن في 2024م رغم ارتفاع الإنتاج. كما تركزت الصادرات في الإمارات بنسبة 56% بعد أن كانت شبه كاملة قبل عامين. المعالجة المقترحة هي تأسيس بورصة سودانية للذهب والمعادن تُدار بآليات تسعير عالمية مرنة. يتم الشراء من المعدنين والتجار عبر الحسابات البنكية فقط وإلغاء التعامل النقدي. هذه الآلية تمتص السعر الموازي بتوفير سعر عالمي مجزٍ ومباشر، وتعمل على الحد من التهريب وتوجيه حصيلة الصادر الدولارية بالكامل إلى خزينة البنك المركزي والبنوك التجارية. الهدف رفع نسبة التصدير الرسمي من 30% حالياً إلى 80% خلال 18 شهراً، مما يعني استعادة ما بين 3 إلى 4 مليار دولار سنوياً للقنوات الرسمية.
المكوّن الثاني هو الصمغ العربي باعتباره أصل القوة الاحتكارية الاستراتيجية. يسيطر السودان على 70% إلى 80% من الإنتاج العالمي لسلعة حيوية وسيطة تدخل في صناعة الأدوية والمشروبات والأغذية. قبل 2021م كان يصدر بين 120,000 و 150,000 طن سنوياً. بسبب الحرب انخفض إلى 60,000 طن في 2022-2023 ثم تعافى إلى 70,000 طن في 2024م منها 50,000 طن لأوروبا. قيمة الصادرات في 2023 بلغت 289.57 مليون دولار. المشكلة أن السودان يصدر الخام بسعر 1.24 دولار للكيلو في مايو 2024م، بينما تبيعه 6 شركات عالمية مصنعاً بأربعة أضعاف. المعالجة المقترحة هي تطبيق نموذج “تكتل الصمغ العربي”.
أولاً منع تصدير الخام والتحول إلى التصنيع الأولي بودرة ورذاذي وحبيبات. ثانياً دمج المصدرين المحليين في مجلس كونسورتيوم استراتيجي يمنع المضاربات الداخلية والتنافس الفوضوي ويفرض سعراً أدنى إلزامياً. ثالثاً بناء مخزون استراتيجي وطني لامتصاص فائض الإنتاج في سنوات الوفرة وإعادة طرحه عند ارتفاع الطلب عالمياً. بهذه السياسة يمكن مضاعفة قيمة الطن المُصدَّر من 2,200 دولار إلى 4,000 دولار، ورفع العائد من 300 مليون دولار إلى مليار دولار سنوياً، وبناء احتياطي استراتيجي من النقد الأجنبي مستدام وقابل للتنبؤ.
المكوّن الثالث هو الثروة الحيوانية باعتبارها أصل التدفق المباشر المستدام. يمتلك السودان 107 مليون رأس ماشية وتسهم بـ 20% من الناتج المحلي الإجمالي. في 2023م بلغت صادرات الماشية الحية للسعودية وحدها 715 مليون دولار. لكن تصدير الحي منخفض القيمة المضافة وعرضة للنفوق والرفض الصحي. المعالجة المقترحة هي التوقف التدريجي عن تصدير الماشية حية والتوسع في إنشاء مسالخ حديثة ومعتمدة دولياً لتصدير اللحوم المبردة والمجمدة على النموذج الأسترالي والنيوزلندي.
مع تفعيل ميناء هيدوب المتخصص وتشغيل سفينتين مخصصتين في خطة 2026م. هذا يحقق تعظيم عائد الرأس الواحد المُصدَّر ورفع قيمته المضافة، ويقضي على مخاطر نفوق الماشية أو رفض الشحنات لأسباب صحية بالموانئ، وينشئ صناعات تحويلية مساندة كالجلود والدواجن توفر دخلاً إضافياً بالعملة الصعبة. الهدف الوصول بعائد القطاع إلى 2 مليار دولار سنوياً.
لضمان تحويل هذه الرؤية الاستراتيجية إلى واقع ملموس، يجب إدماج أداة إدارة المخاطر الاحترافية لحماية أدوات تنفيذ المحفظة التجارية. في الذهب يتم تخفيض مخاطر التهريب عبر توفير سعر بورصة مجزٍ ومباشر يمتص السوق الموازي، والأثر المباشر هو القضاء على 70% من التهريب وتوجيه الحصيلة كاملة لخزينة البنك المركزي وإنهاء الطلب المضارب على الدولار لشراء الذهب. في الصمغ العربي يتم تحويل مخاطر تذبذب الأسعار عبر فرض سعر أدنى إلزامي وبناء مخزون استراتيجي وطني، والأثر هو مضاعفة قيمة الطن المصدّر وفرض سعر عادل على المشترين العالميين. في الثروة الحيوانية يتم نقل مخاطر النقل والنفوق عبر التصدير المبرد وفق معايير جودة صارمة، والأثر هو تعظيم عائد الرأس والقضاء على رفض الشحنات ونشوء صناعات تحويلية مساندة.
لا يمكن فصل هذه المعالجات عن حزمة حوكمة مصاحبة غير قابلة للتأجيل. أولها إحكام الرقابة على استمارة الصادر EX Form بربط تجديد السجلات التجارية وتراخيص التصدير بالالتزام التام بإرجاع 100% من حصائل الصادرات السابقة في مواعيدها المحسوبة.
وحظر المتعثرين أو المتهربين حظراً شاملاً. ثانيها ترشيد الواردات وتوجيه التدفقات بتخصيص حصائل العملة الصعبة المحصلة من المحفظة الثلاث حصرياً لشراء الاحتياجات الأساسية كالقمح والمحروقات والمدخلات الدوائية والإنتاجية.
وتقييد استيراد السلع الكمالية الهامشية. ثالثها إطلاق نظام التتبع التجاري الرقمي للشحنات لإغلاق منافذ تسرب النقد الأجنبي وضمان دخول حصائل الصادر بنسبة 100% للجهاز المصرفي.
الأرقام لا تكذب. لو استعدنا 50% فقط من الذهب المهرب أي 2 مليار دولار، ورفعنا عائد الصمغ إلى مليار دولار، ومضاعفة عائد الماشية إلى 1.7 مليار دولار، فإننا نتحدث عن 4.7 مليار دولار إضافية سنوياً. هذا المبلغ كافٍ لتغطية عجز الميزان التجاري الحالي البالغ 4.1 مليار دولار وتحقيق فائض يعيد للجنيه توازنه.
“تكتل الصمغ العربي” ليس شعاراً إعلامياً. هو قرار سيادي بالعمل ككتلة واحدة لمواجهة كارتيل 6 شركات عالمية تتحكم في التسعير. وبورصة الذهب ليست مبنى. هي بوابة لاستعادة السيادة على المورد الأسرع في جلب النقد الأجنبي.
إن تطبيق منهجيات إدارة المحافظ PMP وإدارة المخاطر RMP على هذه المحفظة الثلاث يحول الموارد من خامات منهوبة إلى أصول استراتيجية عالية العائد. وعندما تضاف إليها حوكمة الصادر والتتبع الرقمي وترشيد الواردات، يتشكل حائط صد متين يُعيد للجنيه السوداني استقراره وللسودان عافيته الاقتصادية.
*والله ولي التوفيق*



