مقالات الظهيرة

(أصل القضية) من سلسلة الجسر والمورد… الشرق الأوسط.. هندسة الاستجابة!!

✍🏽 د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

 

> في الصراع الكبير، ما تراه أمامك قد لا يكون هو المعركة الحقيقية.

 

قد يكون الصاروخ رسالة، وقد يكون التهديد تفاوضًا بلغة أخرى، وقد يكون رفض الجلوس إلى الطاولة محاولة لإعادة ترتيب الطاولة نفسها وهنا يبدأ السؤال من مكان مختلف.. من يملك الفعل، ومن يملك هندسة الاستجابة له؟

 

> في السياسة، ليس بالضرورة أن تجبر خصمك على أن يفعل ما تريد. يكفي أحيانًا أن تضع أمامه الظروف التي تجعله يفعل ما كنت تتوقعه منه.

 

●تستفزه، فتدفعه إلى الرد.

●تضيّق عليه، فتدفعه إلى ورقة ضغط.

●تغلق أمامه بابًا، فتراقب أي باب سيحاول فتحه.

 

> عندها يصبح رد الفعل جزءًا من الفعل الأصلي.

 

وهذا ما يجعل المشهد الإيراني الأميركي في الشرق الأوسط جديرًا بقراءة تتجاوز الأخبار اليومية…

مضيق هرمز هنا ليس مجرد ممر مائي. إنه جسر استراتيجي تحوّل إلى مورد تفاوضي. ففي الظروف الطبيعية يمر عبره نحو خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية، ولذلك فإن أمنه وحركته لا ينعكسان على إيران وأميركا وحدهما، بل على أسواق الطاقة والاقتصادات المرتبطة بها.

 

● طهران تقول: نستطيع إعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام ضمن ترتيبات تشمل تخفيف الضغوط العسكرية ورفع الحصار. ● وواشنطن تريد حرية الملاحة، لكنها لا تريد أن تصبح هذه الورقة هي التي تفرض وحدها شروط التفاوض.

 

ثم جاءت لحظة أكثر دلالة، بالأمس، أعلن الرئيس دونالد ترامب رفض المقترح الإيراني الذي يربط فتح هرمز بوقف القتال وترتيبات أخرى.

هنا لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: لماذا رفض ترامب؟

السؤال الأهم، ماذا يتغير في ميزان التفاوض إذا قبل؟ وماذا يتغير إذا رفض؟ ومن الذي يجد نفسه مطالبًا بالخطوة التالية؟

 

> هذه هي اللعبة الحقيقية.

 

● إيران لا تملك فقط موقعًا جغرافيًا بالغ الحساسية؛ إنها تحاول تحويل هذا الموقع إلى ورقة تفاوض.

 

● وأميركا لا تملك فقط تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا؛ إنها تحاول منع هذه الورقة من التحول إلى مفتاح يحدد وحده مسار التفاوض.

 

لذلك فالمعركة ليست على المضيق وحده.إنها على ترتيب الخطوات..

●من يفتح أولًا؟

●من يخفف الضغط أولًا؟

●من يقدم التنازل الأول؟

●ومن يجعل الطرف الآخر يتحرك قبل أن يتحرك هو؟

 

> في الدبلوماسية، هذه ليست تفاصيل إجرائية. إنها جزء من ميزان القوة.

 

ولهذا فإن رفض الجلوس المباشر إلى الطاولة لا يعني بالضرورة غياب التفاوض. فقد جرت اتصالات غير مباشرة عبر وسطاء، وجرى بحث مسار مرحلي يربط إعادة فتح هرمز بتخفيف الحصار.

 

وهنا تظهر الدبلوماسية في معناها الأكثر احترافًا حيث أن

الوصول إلى الطاولة ليس هو الإنجاز..

الإنجاز أن تصل إليها وأنت ما زلت قادرًا على التأثير في شروطها وتوقيتها ومخرجاتها.

وهذا ينقلنا من إيران وأميركا إلى الشرق الأوسط كله. وهي المنطقة التي لا تفتقر إلى الموارد الاستراتيجية لما فيها من ممرات مائية، طاقة، موانئ، مواقع جغرافية، وأسواق. لكن امتلاك المورد وحده لا يصنع النفوذ.

 

> النفوذ يبدأ عندما تستطيع تحويل المورد إلى خيارات.

 

وهنا تأتي رؤية «الجسر والمورد»…

● الجسر هو ما يصل بين نقطتين، لكن قيمته السياسية ترتفع عندما تصبح حركة العبور من خلاله قابلة للإدارة.

 

● والمورد هو ما تملكه، لكن قيمته الاستراتيجية تتضاعف عندما تستطيع استخدامه دون أن تستنزفه، أو تجعل نفسك رهينة له.

 

هرمز، بهذا المعنى، يجمع الاثنين، جسر للعالم ومورد تفاوضي لمن يستطيع التأثير في حركته.

وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن تنتبه إليه دول المنطقة.

 

> فليس المطلوب أن نمتلك أوراقًا أكثر بالضرورة المطلوب أن نعرف كيف نحول الأوراق التي نملكها إلى مساحة حركة.

 

فقد تكون أفضل الاستجابات أحيانًا في عدم منح الخصم النتيجة التي ينتظرها، أو في تأخير القرار حتى تتضح كلفة كل خيار، أو في نقل المعركة من ملعب فرضه الآخر إلى ملعب تكون فيه أوراقك أكثر فاعلية.

وهنا لا يصبح الهدوء ترددًا، ولا الانتظار عجزًا، ولا التفاوض تنازلًا. إنها ببساطة إدارة للحظة التي يتحول فيها القرار إلى مكسب.

 

ومن يقرأ المشهد بهذه الطريقة لا يسأل فقط ماذا حدث؟ ، بل يسأل ما الذي سيحدث إذا استجبت؟ وما الذي سيتغير إذا لم أستجب؟ وأي خيار يوسع هامش حركتي في الجولة التالية؟

 

تلك هي الاستجابة التي تحفظ للدولة قدرتها على المناورة..

> ألا تسمح للحدث بأن يختار عنها، ولا للخصم بأن يحول أوراق قوتها إلى قيود عليها.

 

#أصل_ القضية،،،

السيادة ليست فقط أن تملك الأرض والمورد والممر …

السيادة أن تعرف كيف تستخدمها دون أن تفقد حرية الاختيار، فالجغرافيا قد تمنحك موقعًا، والمورد قد يمنحك ورقة، والقوة قد تمنحك قدرة على الضغط؛ لكن القيمة السياسية لكل ذلك تبدأ عندما تستطيع أن تقول:

 

> هذه أوراقي… وأنا من يقرر متى أضع أيًّا منها على الطاولة.

 

هنا بالضبط يتحول الجسر والمورد من جغرافيا وموارد…

إلى استراتيجية أن تعبر بالأزمات دون أن تعبر بك، وأن تستخدم ما تملك دون أن تصبح أسيرًا له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى