د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… يا وزير الثروة الحيوانية.. صادر اللحوم إلى السعودية

صادر اللحوم الحمراء إلى السعودية متوقف منذ نحو عامين، لأسباب بعضها معروف، مثل الحرب وتداعياتها، وبعضها الآخر ما زال مجهولاً للرأي العام.
وتضاربت الأنباء مؤخراً حول بداية خجولة لصادر اللحوم إلى دولة الكويت، فتحدثت بعض الأخبار عن طنين، وأخرى عن عشرين طناً، والفرق بين الرقمين شاسع، لكننا نقول: ما علينا.
يبقى السؤال الأهم الذي نوجهه إلى سعادة وزير الثروة الحيوانية، الذي بهرنا في حديثه بلغة الأرقام:
إلى متى يتوقف صادر اللحوم السودانية إلى السعودية؟
السعودية واحدة من أكبر أسواق المنطقة، وسوقها الغذائي يتوسع، والسودان يملك ثروة حيوانية هائلة وقرباً جغرافياً وموانئ وخبرة طويلة في التعامل مع السوق السعودي.
فما الذي ينقصنا؟
هل المشكلة في الاشتراطات الصحية؟
أم في المحاجر؟
أم في المسالخ؟
أم في النقل والتبريد؟
أم في الشهادات والمواصفات؟
أم في عدم وجود جهة واحدة تتولى هذا الملف من الألف إلى الياء؟
هذه أسئلة مشروعة، ولا أظن أن المطلوب إجابات عامة، بل قائمة واضحة بالعقبات، وما تم إنجازه منها، وما تبقى، ومن المسؤول عن كل خطوة ومتى تكتمل.
ولماذا لا تكون هناك لجنة سودانية ـ سعودية مشتركة، إذا كانت هناك عقبات تحتاج إلى تفاهمات بين البلدين؟
ولماذا لا يكون هناك فريق عمل سوداني متخصص لا همّ له إلا السوق السعودي؟
فالسوق لا ينتظر أحداً، والمنافسون كُثر، ومن يتأخر في تلبية الاشتراطات قد يجد أن غيره سبق إليه واحتل المساحة المتاحة.
يا سعادة الوزير…
أنتم تسافرون إلى مدن الإنتاج في ولايات السودان المختلفة، وتلتقون بالمنتجين والمربين، وتحدثون الناس عن حجم الثروة الحيوانية وفرصها.
ولكن الأهم من زيارة مناطق الإنتاج هو أن نعرف إلى أين ستذهب هذه الثروة، وبأي مواصفات، وبأي قيمة مضافة، وبأي عائد على السودان؟
إذا كان السوق السعودي يحتاج مواصفات محددة، فلنُهيئ مناطق الإنتاج والمحاجر والمسالخ والنقل والتبريد وفق تلك المواصفات.
لا نريد أن ننتج أولاً ثم نبحث عن السوق.
لنهيئ الإنتاج للسوق قبل أن يصل الإنتاج إلى السوق.
ولماذا لا تكون هناك خريطة واضحة تقول: هذه هي المواصفات السعودية، وهذه هي احتياجاتها، وهذه هي الكميات المستهدفة، وهذه هي مناطق الإنتاج السودانية القادرة على توفيرها، وهذا هو الجدول الزمني للوصول إليها؟
نحن لا نتحدث عن سلعة هامشية.
نحن نتحدث عن ثروة قومية، وعن سوق قريب، وعن فرصة يمكن أن توفر للسودان موارد من النقد الأجنبي هو في أمس الحاجة إليها.
والأهم أن السودان لا ينبغي أن يكتفي بتصدير الحيوان أو اللحوم عندما يستطيع أن يبني سلسلة قيمة كاملة: إنتاج، تسمين، محاجر، مسالخ حديثة، تبريد، تعبئة، نقل، ثم تصدير وفق أعلى المواصفات.
السوق السعودي ليس وحده في المنطقة، وهناك منافسون كثر ينتظرون الفرصة.
ولذلك فإن السؤال اليوم ليس: لماذا توقف الصادر؟
بل السؤال الأكثر إلحاحاً:
ماذا فعلنا حتى يعود؟ ومتى يعود؟ وما هي العقبات المتبقية بالضبط؟
يا سعادة الوزير…
الأرقام جميلة عندما تتحول إلى نتائج.
والتصريحات مهمة عندما تتحول إلى إجراءات.
والثروة الحيوانية التي نملكها لا ينبغي أن تبقى مجرد أرقام ضخمة في التقارير والزيارات الميدانية.
نريد أن نراها دولارات تدخل خزينة السودان، وفرص عمل، ومسالخ تعمل، وشاحنات تتحرك، وسفناً وطائرات تحمل اللحوم السودانية إلى الأسواق.
فالأسواق لا تنتظر طويلاً…
وعندما يحتكرها الآخرون، لا ينفع الندم.



