مقالات الظهيرة

(آذان صاغية) العون الذاتي في السودان… تجربة رائدة في التنمية الشعبية وبناء المجتمعات

بقلم: دكتور عامر إبراهيم محمد

محامٍ وباحث في القانون الدولي الإنساني

في مطلع سبعينيات القرن الماضي، شهد السودان تجربة متميزة في مجال التنمية المحلية والإدارة الشعبية، عُرفت باسم «العون الذاتي»، وهي تجربة ارتبطت بجهود ثورة مايو في تطوير القرى وتنظيم مشاركة المواطنين في بناء مجتمعاتهم، من خلال تحويل احتياجاتهم الأساسية إلى مشروعات عملية تُنفَّذ بالتعاون بين الأهالي والمجالس الشعبية.
من لجان تطوير القرى إلى المجالس الشعبية
في إطار التوجه نحو توسيع المشاركة الشعبية، استُبدلت لجان تطوير القرى بما عُرف بالمجالس الشعبية، لتتولى دوراً مهماً في تحديد احتياجات المناطق السكنية وترتيب أولوياتها والإشراف على تنفيذ مشروعات التنمية والخدمات الأساسية. ومثّلت هذه الخطوة توجهاً نحو إحداث تحول إداري يربط المواطنين مباشرة بقضايا التنمية، ويجعلهم شركاء

في تحديد احتياجاتهم والمساهمة في تلبيتها.
وقد برزت أهمية هذه التجربة في محافظة الخرطوم، التي كانت تضم مناطق واسعة موزعة بين منطقة الخرطوم الواقعة بين النيلين، ومنطقة بحري، ومنطقة أم درمان، حيث كانت كثير من القرى والأحياء تتطلع إلى الحصول على الخدمات الأساسية التي تمثل ضرورة لحياة المواطنين واستقرارهم.

توصيل المياه إلى المنازل… حلم يتحول إلى واقع
كان توفير مياه الشرب وتوصيلها إلى المنازل من أبرز أهداف العون الذاتي، فقد ظل هذا الأمر حلماً يراود الأسر في كثير من القرى، التي كانت تعاني مشقة الحصول على المياه ونقلها من مصادر بعيدة.

وكان تحقيق هذا الهدف يتطلب إنشاء خزانات وصهاريج مياه كبيرة، وتوفير شبكات التوزيع اللازمة لإيصال المياه إلى المنازل.

 

ومن هنا، أصبحت مساهمة الأهالي في تمويل هذه المشروعات وتنفيذها نموذجاً عملياً للتعاون المجتمعي، إذ تتضافر جهود الأسر من أجل إنجاز مشروع يستفيد منه الجميع.

ولم تقتصر مهام المجالس الشعبية على المياه، بل امتدت إلى التصديق على إنشاء المدارس الابتدائية والثانوية العامة، والمراكز الصحية، والعمل على تخطيط القرى وتنظيم امتدادها العمراني، إلى جانب الاهتمام بالأمن وتوفير نقاط للشرطة وفقاً

لاحتياجات المناطق. وهكذا اتسع مفهوم العون الذاتي ليشمل جوانب أساسية من حياة المجتمع، من التعليم والصحة إلى التخطيط والأمن.

رائدات النهضة والمرأة في قلب التنمية

كان للمرأة دور مهم في تلك المرحلة من خلال برنامج «رائدات النهضة»، الذي ركز على التثقيف الأسري والصحي والاجتماعي، وشمل النظافة الشخصية، وإعداد الطعام بصورة صحية، والتوعية بأمور الصحة العامة، والأمومة والطفولة.

رائدات النهضة والمرأة في قلب التنمية:

كان للمرأة دور مهم في تلك المرحلة من خلال برنامج «رائدات النهضة»، الذي ركز على التثقيف الأسري والصحي والاجتماعي، وشمل النظافة الشخصية، وإعداد الطعام بصورة صحية، والتوعية بأمور الصحة العامة، والأمومة والطفولة.

وقد عكس هذا الدور إدراكاً لأهمية الأسرة في بناء المجتمع، وأن التنمية لا تقتصر على تشييد المباني وتوفير الخدمات، وإنما تشمل أيضاً رفع الوعي الصحي والاجتماعي وتحسين أساليب الحياة داخل المنزل. فالمرأة الواعية صحياً واجتماعياً تسهم في حماية الأسرة وتربية الأجيال، وتصبح شريكاً أساسياً في مسيرة التنمية.

العون الذاتي بين الرأسمالية والاشتراكية
جاءت تجربة العون الذاتي في سياق دولي اتسم بالصراع الحاد بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، في وقت كان السودان من الدول المؤسسة لحركة عدم الانحياز، التي سعت إلى تجنب الارتهان لأي من المعسكرين.

ومع ذلك، تبنّت حكومة مايو التوجه الاشتراكي، وبرز العون الذاتي باعتباره أسلوباً لتعبئة الموارد المحلية وتوظيف المشاركة الشعبية في تنفيذ مشروعات التنمية. وقد جمع هذا الأسلوب، من الناحية العملية، بين مساهمة الأسرة بمواردها الخاصة، والتنظيم الجماعي من خلال المجالس الشعبية، والتنسيق مع أجهزة الدولة لتوفير الخدمات والمرافق العامة.

ولم يكن العون الذاتي مجرد شعار سياسي، بل قام على فكرة أساسية مفادها أن الدولة والمجتمع يستطيعان العمل معاً لتجاوز محدودية الموارد وتسريع التنمية. فالأسر تسهم بما تستطيع، والمجالس تحدد الأولويات وتنظم الجهود، بينما تتولى الجهات المختصة ما يدخل ضمن مسؤولياتها من تخطيط وتصديق وإسناد فني وإداري.

الاشتراك الشهري… مسؤولية مشتركة من أجل المصلحة العامة

اعتمد العون الذاتي، في صورته التي عرفها المواطنون، على اشتراكات شهرية تدفعها الأسر للمساهمة في تمويل مشروعات القرية، مثل توفير المياه وإنشاء المدارس والمراكز الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية.

وكانت الفكرة تقوم على أن المبالغ الصغيرة التي تقدمها الأسر بصورة منتظمة يمكن أن تتحول، عند جمعها وتنظيمها وحسن إدارتها، إلى مورد يساعد على تنفيذ مشروعات كبيرة يستفيد منها الجميع.

وبهذا، أصبح المواطن يشعر بأن له دوراً مباشراً في تنمية قريته، وأن الخدمات العامة ليست مسؤولية المؤسسات الحكومية وحدها من حيث المشاركة المجتمعية، بل هي أيضاً مجال للتعاون والتكافل بين السكان، مع بقاء مسؤولية الدولة عن توفير الخدمات الأساسية وفق واجباتها.

وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ قيم التعاون والانتماء والمسؤولية المشتركة، وهي قيم تظل ضرورية في كل مشروع يستهدف النهوض بالمجتمعات المحلية.

دروس من الماضي للمستقبل

إن استعادة تجربة العون الذاتي لا تعني بالضرورة استنساخها كما كانت، وإنما الاستفادة من جوانبها الإيجابية وتطويرها بما يتناسب مع متطلبات الحاضر. فالتنمية المحلية تحتاج إلى مجالس فاعلة، ومشاركة شعبية واسعة، وأولويات واضحة، وموارد مالية معلومة، ورقابة تضمن الشفافية وحسن إدارة الأموال.
كما أن أي تجربة حديثة ينبغي أن تقوم على العدالة في توزيع الخدمات، ومراعاة قدرات الأسر المختلفة، وعدم تحميل الفئات الفقيرة أعباء تفوق إمكاناتها، مع تعزيز دور الدولة في تمويل المشروعات الأساسية وتوفير الدعم الفني والهندسي والصحي والتعليمي.
وفي ظل حاجة السودان إلى إعادة الإعمار وتطوير

القرى والأحياء المتضررة، يمكن استلهام روح العون الذاتي في بناء شراكة حقيقية بين المواطنين والسلطات المحلية ومؤسسات الدولة، بحيث تتحدد الاحتياجات وفقاً للأولويات، وتُدار الموارد بشفافية، وتُنفَّذ المشروعات بمشاركة المجتمع وتحت إشراف الجهات المختصة.

خلاصة القول: إن تجربة العون الذاتي تمثل صفحة تستحق الدراسة في تاريخ التنمية المحلية بالسودان؛ لأنها طرحت فكرة مشاركة المواطن في بناء قريته، وجعلت التعاون الشعبي وسيلة لتحقيق أهداف ملموسة في المياه والتعليم والصحة والتخطيط. وقد تتغير النظم السياسية والإدارية، لكن قيمة مشاركة المجتمع في تنميته تظل مبدأً مهماً، متى قامت على التنظيم الجيد والعدالة والشفافية والتكامل مع مسؤوليات الدولة.

فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بتضافر الجهود، وحسن إدارة الموارد، وتحويل طاقات المواطنين إلى مشروعات تخدم الإنسان وتمنحه حياة أكثر استقراراً وكرامة.

وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ قيم التعاون والانتماء والمسؤولية المشتركة، وهي قيم تظل ضرورية في كل مشروع يستهدف النهوض بالمجتمعات المحلية.

دروس من الماضي للمستقبل

إن استعادة تجربة العون الذاتي لا تعني بالضرورة استنساخها كما كانت، وإنما الاستفادة من جوانبها الإيجابية وتطويرها بما يتناسب مع متطلبات الحاضر. فالتنمية المحلية تحتاج إلى مجالس فاعلة، ومشاركة شعبية واسعة، وأولويات واضحة، وموارد مالية معلومة، ورقابة تضمن الشفافية وحسن إدارة الأموال.
كما أن أي تجربة حديثة ينبغي أن تقوم على العدالة في توزيع الخدمات، ومراعاة قدرات الأسر المختلفة، وعدم تحميل الفئات الفقيرة أعباء تفوق إمكاناتها، مع تعزيز دور الدولة في تمويل المشروعات الأساسية وتوفير الدعم الفني والهندسي والصحي والتعليمي.
وفي ظل حاجة السودان إلى إعادة الإعمار وتطوير القرى والأحياء المتضررة، يمكن استلهام روح العون الذاتي في بناء شراكة حقيقية بين المواطنين والسلطات المحلية ومؤسسات الدولة، بحيث تتحدد الاحتياجات وفقاً للأولويات، وتُدار الموارد بشفافية، وتُنفَّذ المشروعات بمشاركة المجتمع وتحت إشراف الجهات المختصة.

خلاصة القول: إن تجربة العون الذاتي تمثل صفحة تستحق الدراسة في تاريخ التنمية المحلية بالسودان؛ لأنها طرحت فكرة مشاركة المواطن في بناء قريته، وجعلت التعاون الشعبي وسيلة لتحقيق أهداف ملموسة في المياه والتعليم والصحة والتخطيط. وقد تتغير النظم السياسية والإدارية، لكن قيمة مشاركة المجتمع في تنميته تظل مبدأً مهماً، متى قامت على التنظيم الجيد والعدالة والشفافية والتكامل مع مسؤوليات الدولة.

فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بتضافر الجهود، وحسن إدارة الموارد، وتحويل طاقات المواطنين إلى مشروعات تخدم الإنسان وتمنحه حياة أكثر استقراراً وكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى