(آذان صاغية) «الحصة وطن».. نصائح لتعزيز الحوار الوطني وإعادة بناء السودان

بقلم: دكتور عامر إبراهيم محمد
محامٍ وباحث في القانون الدولي الإنساني
من رتق النسيج الاجتماعي إلى تمكين الشباب وإعمار المناطق المتضررة، تظل مصلحة السودان العليا هي الأساس الذي ينبغي أن يستند إليه الحوار الوطني، وصولًا إلى دولة مستقرة تتسع لجميع أبنائها.
أثبتت تجارب الشعوب التي عانت الحروب أن إعادة بناء الأوطان لا تتحقق بوقف القتال أو إعادة تشييد المباني وحدهما، بل تحتاج إلى معالجة أسباب الصراع، واستعادة الثقة بين المواطنين، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة، وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال المتضررة.
وقد ارتبطت بعض الحروب الدولية والإقليمية بتنافس القوى الخارجية على النفوذ والموارد، واستغلال الانقسامات الداخلية عبر جماعات مسلحة ومرتزقة. وتؤكد هذه التجارب أهمية حماية السيادة الوطنية، وتعزيز التماسك الداخلي، وتقديم المصالح الوطنية على الحسابات الضيقة.
وفي السودان، تبرز ضرورة أن يتحول الحوار الوطني إلى مسار عملي لمعالجة آثار الحرب والتوافق على مستقبل البلاد. ومن هذا المنطلق، تأتي عبارة «الحصة وطن» رسالةً لتعزيز الحوار الوطني القائم، وليست مبادرة جديدة أو بديلًا عنه؛ فالمقصود هو جعل مصلحة السودان القاسم المشترك بين أبنائه، مهما اختلفت توجهاتهم السياسية أو انتماءاتهم الاجتماعية.
المصالحة والعدالة.. أساس استعادة الثقة
إن رتق النسيج الاجتماعي يمثل أحد أهم شروط استقرار السودان، خاصة بعد ما خلفته الحرب من نزوح وفقدان للممتلكات وتصدع في العلاقات بين المجتمعات. ولذلك، ينبغي أن يركز الحوار الوطني على المصالحات المحلية، ومعالجة النزاعات على الأراضي والموارد، وإشراك الإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية والنساء والشباب في جهود إعادة بناء الثقة.
وفي هذا السياق، يمكن بحث ترتيبات قانونية للعفو وإعادة الإدماج، تشجع من يرغبون في التخلي عن السلاح والعودة إلى الحياة المدنية، مع توفير التأهيل وفرص العمل، وضمان عدم شمول الجرائم الخطيرة بتسويات تفضي إلى الإفلات من المساءلة.
فحضن الوطن ينبغي أن يتسع لكل من يختار السلام ويلتزم بالقانون، دون التفريط في حقوق الضحايا أو إهمال العدالة. والمصالحة الحقيقية ليست نسيانًا للماضي، بل معالجة منصفة لآثاره، تمنع تكرار الانتهاكات وتفتح الطريق أمام التعايش.
الشباب وإعادة الإعمار.. استثمار في المستقبل
لا يمكن بناء السودان دون تمكين شبابه وإعادة تأهيل المناطق المتضررة من الحرب. فالشباب يحتاجون إلى فرص التعليم والتدريب والتوظيف وريادة الأعمال، كما يحتاجون إلى مساحات تجمعهم بعيدًا عن الاستقطاب والصراع.
ومن هنا، تبرز أهمية إعادة تأهيل المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات المياه والكهرباء، ودعم الزراعة والثروة الحيوانية والمشروعات الصغيرة، بالتوازي مع إحياء الأندية والملاعب وتنظيم البطولات الرياضية بين الولايات، ودعم المسرح والفنون والموسيقى والأنشطة الثقافية.
فالرياضة والثقافة ليستا مجرد أنشطة ترفيهية، بل وسيلتان لتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وتقريب المسافات بين المجتمعات، وتوجيه طاقات الشباب نحو الإنتاج والإبداع.
وينبغي أن تُوزع مشروعات إعادة الإعمار وفق حجم الأضرار والاحتياجات الفعلية، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأشد تضررًا، بما فيها أجزاء من دارفور وكردفان، وضمان الشفافية ومشاركة السكان في تحديد الأولويات ومتابعة التنفيذ.
كردفان ودارفور.. من استعادة الأمن إلى استعادة الحياة
في ظل ما يُعلن عن تطورات عسكرية وتقدم للقوات المسلحة السودانية في بعض مناطق كردفان ودارفور، تبرز أهمية الانتقال من التطورات الميدانية إلى حماية المدنيين واستعادة الحياة الطبيعية، مع ضرورة التحقق من الوقائع العسكرية عند تناولها صحفيًا.
فمتى استقرت الأوضاع، ينبغي تأمين المرافق والطرق، وإزالة مخلفات الحرب، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية، وتهيئة العودة الآمنة والطوعية والكريمة للنازحين واللاجئين، مع منع الانتقام والتمييز وضمان وصول الخدمات إلى جميع السكان.
إن استعادة الأمن لا تكتمل إلا بعودة مؤسسات الدولة، وإحياء النشاط الاقتصادي، ومعالجة النزاعات المحلية، وتوفير فرص عادلة للمواطنين، بعيدًا عن الانتماءات القبلية أو المواقف السياسية.
علاقات الجوار ومشاركة السودانيين في المهجر
يتطلب تعافي السودان الاستفادة من موقعه الجغرافي وعلاقاته الأفريقية والعربية، إلى جانب خبرات أبنائه في الخارج. ويمكن للحوار الوطني أن يدعم سياسة تقوم على احترام السيادة والمصالح المتبادلة، وتوسيع التعاون مع دول الجوار، ومنها مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا وليبيا، في مجالات التجارة والزراعة والنقل والطاقة وتأمين الحدود.
كما يمكن الاستفادة من الكفاءات السودانية في المهجر لدعم التعليم والصحة والتدريب والاستثمار المنتج، عبر شراكات واضحة وشفافة تربط الخبرات والموارد باحتياجات إعادة الإعمار.
إن تحويل علاقات الجوار إلى مصالح اقتصادية مشتركة، وربط المغتربين ببرامج التنمية، يمكن أن يساعد السودان على تجاوز مرحلة المساعدات الطارئة نحو تعافٍ أكثر استدامة.
كيف تتحول التوصيات إلى نتائج؟
حتى لا تبقى مخرجات الحوار الوطني في إطار الشعارات، ينبغي أن تتضمن خطة عمل محددة للمصالحة والعدالة، وتمكين الشباب، وإعادة الإعمار، والتعاون الإقليمي، مع تحديد المسؤوليات والموارد والجداول الزمنية، ونشر تقارير دورية عن الإنجاز.
كما أن توسيع المشاركة لتشمل القوى السياسية والمدنية والإدارات الأهلية والنساء والشباب والخبراء يعزز الثقة في الحوار، ويساعد على بناء توافق وطني أوسع حول أولويات المرحلة المقبلة.
خاتمة: الحصة وطن
إن السودان بحاجة إلى حوار وطني يتجاوز الخلافات إلى حلول عملية، ويجمع بين استعادة الاستقرار، وإنصاف المتضررين، وإعادة بناء المؤسسات، وتحقيق التنمية المتوازنة.
وتأتي رسالة «الحصة وطن» لتؤكد أن وحدة البلاد وسيادتها يجب أن تتكاملا مع المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وأن المصالحة لا تعني الإفلات من العقاب، كما أن إعادة الإعمار لا تقتصر على البناء المادي، بل تشمل استعادة الثقة والأمل والفرص.
فالأوطان لا تنهض بإقصاء أبنائها، وإنما بتوحيد جهودهم حول مستقبل مشترك، يجد فيه الشباب فرصتهم، وتحفظ فيه حقوق الضحايا، وتنعم فيه المجتمعات بالأمن والعدالة.
الحصة وطن.. مصلحة السودان أساس الحوار، ووحدة شعبه غايته، والعدالة طريقه، والتنمية المستدامة ثمرة جهوده.



