(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… (المامعاك ماتحسبو ضدك)!!

هذه الحكمة السودانية البسيطة التي نرددها في مجالسنا تختصر واحدة من أعظم أمراضنا الاجتماعية والسياسية، نحن نعيش بعقلية التحشيد القبلي، من ليس معي في كل شيء هو ضدي في كل شيء، ومن لم يصفق لي هو عدو لي، فحولنا الحياة إلى خندقين لا ثالث لهما.
كم من علاقة قطعناها لأن صديقا لم يقف معنا في موقف واحد، وكم من أخ قاطعناه لأنه سكت ولم يتكلم، وكم من شريك نجاح خسرناه لأننا حسبنا صمته عداوة وحياده خيانة، نحن لا نترك مساحة للاختلاف، نريد نسخا مكررة من أنفسنا، لا شركاء أحرارا.
والإسلام العظيم جاء ليكسر هذه العقلية المتطرفة، جاء ليقول إن الحياد ليس جريمة وإن السكوت قد يكون حكمة وإن الاختلاف في الرأي لا يعني الاختلاف في القلب.
وقد قال تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) [هود: 118-119]، فالاختلاف سنة كونية وفطرة إلهية، لم يخلقنا الله متطابقين، بل خلقنا مختلفين لنتكامل لا لنتصارع.
وقال تعالى مؤدبا نبيه صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المخالف (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) [فصلت: 34]، تأمل، الذي بينك وبينه عداوة يمكن أن يصبح وليا حميما إذا دفعت بالتي هي أحسن، فكيف بمن ليس عدوا أصلا، بل هو فقط لم يكن معك.
وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) [الحجرات: 6]، كم حكمنا على الناس بالظنون، هذا ضدي لأنه لم يعلق، هذا يكرهني لأنه لم يشارك منشوري، فأصبنا قوما بجهالة وأصبحنا نادمين.
وجاء في السنة النبوية المطهرة ما يرسخ هذا الفهم الراقي، قال النبي صلى الله عليه وسلم (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) رواه الترمذي، ليس مطلوبا من كل الناس أن يتدخلوا في كل معاركك، من حق الناس أن يتركوا ما لا يعنيهم.
وقال صلى الله عليه وسلم (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) رواه البخاري ومسلم، لم يقل المسلم من وافق المسلمين في كل آرائهم، بل من سلموا من أذاه، فمجرد أن يسلم الناس من لسانك ويدك فأنت منهم وهم منك، حتى لو لم يصوتوا لك ولم يهتفوا باسمك.
وقال صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) رواه البخاري ومسلم، الحب هنا ليس حب الموافقة العمياء، بل حب الخير، قد أختلف معك في كل شيء وأظل أحب لك الخير.
بل إن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا أن من لم يكن ضدك فهو معك، في غزوة الخندق قال (من صلى العصر في بني قريظة) فاختلف الصحابة، فريق صلى في الطريق وفريق أخر الصلاة، فلم يعنف النبي أحدا، رواه البخاري، احتمل الاختلاف في فهم أمره وهو النبي المعصوم، فكيف لا نحتمل نحن اختلاف بعضنا مع بعض.
المامعاك ماتحسبو ضدك، هذه ليست دعوة للسلبية، بل دعوة للاتزان، لا تجعل دائرة أعدائك أوسع من دائرة أصدقائك بيدك، لا تصنع خصوما من محايدين، الحياة أوسع من مع أو ضد، هناك مساحة كبيرة اسمها أنا أحترمك وأقدرك لكنني لا أستطيع أن أكون معك الآن، وهذه المساحة يجب أن نحترمها ونحميها.
نقطة الضوء اليوم هي أن تفتح هاتفك وتراجع قائمة من حسبتهم ضدك وهم في الحقيقة فقط لم يكونوا معك، وستكتشف أنك كنت أنت الظالم لا المظلوم، وأن سوء الظن هو الذي قطع حبالا كان يمكن أن تبقى.
قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم) [الحجرات: 12].



