د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… تكريم المائة الأوائل… من احتفال إلى مشروع وطني!!

أحيي مبادرة رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس تجاه أوائل الشهادة السودانية، وإعلانه تكفّل الدولة بالدراسة مجاناً للطلاب المائة الأوائل.
هذه خطوة تستحق الإشادة في الظروف العادية، فما بالك والسودان يمر بظروف استثنائية، وفي وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل بارقة أمل، وإلى كل رسالة تؤكد أن المستقبل لا يزال مفتوحاً أمام أبنائها.
لكنني أرى أن هذه الخطوة يجب ألا تتوقف عند حدود التكريم أو الإعفاء من الرسوم الدراسية.
التكريم لحظة… أما الرعاية فمشروع دولة.
وهنا سؤال يستحق أن نطرحه بكل وضوح: ما أخبار العشرة الأوائل، بل المائة الأوائل، في العام الماضي؟ وأين هم الآن؟ وهل تتابع الدولة مسيرتهم الدراسية والعلمية؟ وهل تعرف أين وصلوا وماذا يحتاجون؟
الدول التي نهضت من حولنا لم تفعل ذلك بالمصادفة، ولم تبنِ نهضتها بالشعارات. لقد وضعت التعليم والبحث العلمي ورعاية الموهوبين في مقدمة أولوياتها، ووفرت للعقول المتميزة المال والمعامل والجامعات والفرص والبيئة التي تساعدها على الإبداع.
والسودان ليس فقيراً في العقول، وإنما فقير في رعاية العقول.
ولهذا أقترح أن نفكر بجدية في إنشاء جهاز أو مؤسسة وطنية لرعاية النابغين والمتفوقين، تبدأ مهمتها من أوائل الشهادة السودانية، ولا تنتهي عند الجامعة.
مؤسسة تضع هؤلاء الطلاب تحت الرعاية والمتابعة، وتوفر لهم المنح الدراسية، وتساعدهم في الالتحاق بأفضل الجامعات، وتفتح أمامهم أبواب البحث العلمي، وتربطهم بمراكز الأبحاث والشركات والمؤسسات الوطنية، ثم تتابع مسيرتهم عاماً بعد عام.
ولماذا لا يكون لكل طالب منهم ملف وطني للموهبة والإنجاز؟
نعرف من خلاله أين يدرس، وما المجال الذي برع فيه، وما المشروع الذي يعمل عليه، وما الذي يحتاجه لكي يتحول تفوقه الدراسي إلى إنجاز حقيقي يخدم السودان.
فالمائة الأوائل ليسوا مجرد أسماء تُعلن في نشرة النتائج، ولا أرقاماً تُكتب في قوائم الشرف.
هؤلاء جزء من رأس مال السودان الحقيقي.
وإذا كانت الدولة تنفق الأموال على المشروعات والبنى التحتية، فمن باب أولى أن تستثمر في الإنسان الذي سيقود هذه المشروعات ويطورها ويصنع غيرها.
بل إن رعاية المتفوقين يمكن أن تصبح واحدة من أقوى الرسائل التي توجهها الدولة إلى الأجيال القادمة: اجتهد، تفوق، ابتكر… وستجد وطنك إلى جوارك.
وهنا تتحول المنافسة بين الطلاب من مجرد سباق للحصول على درجات مرتفعة إلى سباق نحو العلم والابتكار والريادة.
لقد نجحنا بالأمس في إقامة امتحانات الشهادة السودانية رغم الحرب والظروف القاسية، وهذه في حد ذاتها ملحمة تستحق التقدير.
والخطوة التالية يجب أن تكون أكبر:
أن نحول التفوق من مناسبة للاحتفال إلى سياسة دولة.
فالسودان الذي يريد أن ينهض بعد الحرب لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء الطرق والمباني، وإنما يحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء الإنسان.
ولذلك أقول لرئيس الوزراء: تكريم المائة الأوائل خطوة جميلة ومقدرة، ولكن لا تجعلوها نهاية القصة.
اجعلوها بداية مشروع وطني لرعاية النابغين.
فربما يكون بين هؤلاء المائة عالم المستقبل، وطبيب المستقبل، ومهندس المستقبل، والمخترع الذي سيغير وجه السودان.
والدول العظيمة لا تترك عباقرتها للصدفة.
خالص التهاني والتبريكات للمائة الأوائل، ولأسرهم ومعلميهم، ومزيداً من التقدم والنجاح الدائم بإذن الله.



