السودان ليس العراق… ولن يكون فريسة لمجلس اللا أمن!!

رؤية وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
بقلم: أبوعبيدة أحمد علي
=================
الحمد لله الذي جعل للحق دولةً وإن طال بها الأمد، وجعل للباطل جولةً وإن علا بها الصخب، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي علّم البشرية أن الظلم لا يدوم، وأن العاقبة للمتقين.
أما بعد؛
فإن السودان اليوم يقف أمام امتحان تاريخي لا يختبر قوة جيشه وحدها، ولا صبر شعبه وحده، وإنما يختبر ضمير العالم كله: أيكون القانون الدولي ميزانًا للعدل، أم عصًا في يد الأقوياء يلوّحون بها في وجه الضعفاء؟ وأيكون مجلس الأمن مجلسًا للأمن حقًا، أم مجلسًا تُصاغ فيه خرائط الدول تحت ستار القرارات والعقوبات والبيانات؟
لقد سمعنا من قبل هذه النغمة.
سمعها العالم قبيل غزو العراق، حين قُدّمت أمام مجلس الأمن روايات عن أسلحة دمار شامل لم تكن موجودة، وتحولت المعلومات المضللة إلى مبرر لحرب هدمت دولةً ومؤسسات، وفتحت أبوابًا من الفوضى ما زالت المنطقة تدفع ثمنها إلى يومنا هذا.
واليوم، حين تُعاد إلى الواجهة مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان، فإن من حق السودانيين أن يسألوا: أين الدليل المستقل؟ وأين التحقيق المحايد؟ وأين الفحص الدولي الذي لا تحكمه أجندة سياسية ولا تصنعه غرف الاستخبارات؟
نحن لا نرفض التحقيق في أي ادعاء يمس حياة المدنيين أو القانون الدولي، بل نطالب بتحقيق نزيه شفاف؛ لأن الحقيقة لا تخشى التحقيق، والجيش الذي يدافع عن وطنه لا يحتاج إلى حماية الأكاذيب.
لكننا نرفض أن تتحول المزاعم إلى أحكام، وأن تتحول التقارير الصحفية إلى محاكم، وأن تتحول أجهزة الاستخبارات المجهولة إلى شهود عدول، ثم تُبنى على ذلك قرارات تمس سيادة السودان وقدرة دولته على حماية مواطنيها.
السودان ليس العراق
وهنا ينبغي أن نقولها بوضوح، من غير خوف ولا مواربة:
السودان ليس العراق.
السودان دولة عريقة، وجيشه مؤسسة وطنية ضاربة الجذور في تاريخ البلاد، وشعبه صاحب تجربة طويلة مع الحروب والأزمات والمؤامرات، لكنه ظل، رغم كل الجراح، متمسكًا بوطنه.
والجيش السوداني ليس جيشًا وليد اللحظة؛ إنه جيش عرف ساحات القتال، وتعلم من التاريخ، وخبر التضاريس، وعرف معنى الصبر والانضباط والتضحية.
أما الشعب السوداني، فليس شعبًا طارئًا على أرضه حتى تأتيه القوى الخارجية لتقرر له مستقبله.
إنه شعب النيلين، شعب الحضارات القديمة، شعب القرآن والخلوة، وشعب كسلا ودارفور وكردفان والجزيرة والنيلين والشمال والشرق والوسط والخرطوم؛ شعب إذا اشتدت عليه المحن احتمى بوحدته، وإذا تكاثرت عليه الخطوب ازداد تعلقًا بتراب وطنه.
ومن أراد أن يقسم السودان إلى دويلات، فليقرأ التاريخ أولًا.
دارفور ليست بوابة لتفكيك السودان
إن الحديث عن تقسيم السودان، والبدء بدارفور، ليس مجرد مشروع جغرافي؛ إنه مشروع لتفكيك وطن كامل إلى كيانات ضعيفة متناحرة، بحيث تتحول الحدود إلى جدران، والقبائل إلى كيانات سياسية، والثروات إلى غنائم، والسيادة إلى سلعة في سوق المصالح الدولية.
ودارفور جزء أصيل من السودان، بتاريخها وشعوبها وموروثها وثقافتها ودمائها، ولا يمكن اختزالها في مشروع انفصال، كما لا يمكن اختزال السودان كله في أزمة سياسية أو حرب عابرة.
نحن نريد لدارفور الأمن والعدالة والتنمية وعودة النازحين وإعمار ما دمرته الحرب، ولكننا نرفض أن تكون مأساة أهلها ذريعة لاقتطاعها من جسد الوطن.
دارفور سودانية، والسودان وطن واحد.
والذي يريد الخير لدارفور فليساعد السودانيين على إطفاء الحرب، لا على تحويلها إلى مشروع تقسيم.
إلى أمريكا وإسرائيل: لا تعيدوا إنتاج العراق
نقولها إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، وإلى كل من يظن أن السودان يمكن أن يُدار من وراء البحار:
لا تحاولوا إعادة إنتاج العراق في السودان.
فالسودان له جيش متمرس، وله شعب صابر، وله تاريخ لا تستطيع الطائرات ولا العقوبات ولا غرف الاستخبارات أن تمحوه.
قد تستطيعون ممارسة الضغط السياسي، وقد تستطيعون إصدار القرارات، وقد تستطيعون التأثير في الإعلام، ولكنكم لن تستطيعوا أن تنتزعوا من السودانيين حقهم في وطنهم.
والسودانيون لا يطلبون المستحيل؛ إنما يطلبون أن يُترك لهم وطنهم، وأن تُحترم سيادته، وأن يُمنع السلاح عن كل من يريد قتل المدنيين وتقسيم الدولة، لا أن يُجرّد الجيش الوطني وحده من وسائل الدفاع بينما تتدفق الأسلحة إلى المليشيات من خارج الحدود.
فالعدالة لا تكون عدالة إذا وضعت بندقية الدولة في كفة، وبندقية المليشيا في الكفة الأخرى، ثم طلبت من الضحية أن يتخلى عن حقه في الدفاع عن نفسه.
مجلس الأمن أم مجلس اللا أمن؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس أن يختلف العالم حوله، وإنما أن يتفق الأقوياء على صناعة مستقبل السودان من دون السودانيين.
نريد مجلس أمن يحمي الأمن، لا مجلسًا يشرعن تفكيك الدول.
نريد قانونًا دوليًا يحاسب المعتدي، لا قانونًا يُستخدم لمعاقبة الدولة التي تحاول البقاء.
نريد تحقيقًا في كل انتهاك، ولكن نريد التحقيق في كل الانتهاكات، بلا انتقائية ولا ازدواجية.
ومن يطالب بحظر السلاح على السودان، فليبدأ أولًا بمن يرسل السلاح والمرتزقة إلى أرض السودان، وليوقف خطوط الإمداد التي أطالت الحرب وأشعلت نارها.
أما أن يُحاصر الجيش الوطني، بينما تستمر المليشيات في الحصول على السلاح والتمويل، فذلك ليس طريقًا إلى السلام، وإنما طريق آخر إلى الفوضى.
السودان سيبقى
لقد طال ليل السودان، وكثرت في سمائه الغيوم، وسقط الشهداء، وتشرد الملايين، وتكسرت القلوب على المدن والقرى والبيوت.
ولكن السودان لم يسقط.
وسيظل هذا الوطن، بإذن الله، واقفًا على قدميه.
قد ينحني النخيل أمام العاصفة، لكنه لا ينسى جذوره.
وقد يتعب الفارس من طول الطريق، لكنه لا يبيع فرسه ولا يترك رايته.
وهكذا السودان.
جيشٌ يحمي، وشعبٌ يصبر، ووطنٌ لا يُباع.
ولن تكون المؤامرات الإعلامية بديلًا عن إرادة الشعوب، ولن تكون العقوبات طريقًا إلى تقسيم وطن، ولن تستطيع الخرائط التي تُرسم في العواصم الأجنبية أن تمحو الخرائط التي رسمها التاريخ بدماء الأجداد.
إننا لا نريد حربًا مع العالم، ولا عداوة مع الشعوب، وإنما نريد عالمًا عادلًا يحترم السودان كما نحترم شعوبه ودوله.
ولذلك نقولها اليوم، بضمير سوداني صادق:
السودان ليس العراق.
ومن ظن أن السودان صفحة بيضاء يستطيع أن يرسم عليها ما يشاء، فليعلم أن وراء هذه الأرض شعبًا يعرف وطنه، وجيشًا يعرف واجبه، وتاريخًا لا يُمحى.
قد يطول الليل، وقد تتكاثر سحب الفتن، وقد يشتد الظلم حتى يظن الناس أن الفجر بعيد.
ولكن سنة الله لا تتبدل:
فإن الظلم وإن طال ليله، فلا بد أن يطلع عليه صبح الحق.
وسيطلع الصبح.
وسيظل السودان واحدًا.
وستبقى دارفور في قلب السودان، كما ستبقى الخرطوم والجزيرة وكردفان والنيل الأزرق والشمال والشرق وسائر أرض الوطن.
وسيكتب التاريخ يومًا أن هذا الشعب، حين أرادوا له أن ينكسر، ازداد صبرًا؛ وحين أرادوا له أن يتفرق، ازداد تمسكًا بوطنه؛ وحين ظنوا أن ليله قد طال إلى غير نهاية، كان الفجر يهيئ نفسه خلف الأفق.
اللهم احفظ السودان، وأرضه وشعبه وجيشه، وارحم شهداءه، واشف جرحاه، وردّ نازحيه إلى ديارهم، وأجمع كلمته على الحق، واكتب له أمنًا وسلامًا ووحدةً وعزةً وكرامة.
وما النصر إلا من عند الله.



