مقالات الظهيرة

السودان… من وعي الأزمة إلى صناعة الإصلاح: لماذا لا يبدأ التغيير قبل أن نفهم؟

بقلم: الدكتور محمد عوض محمد متولي

المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

سبتمبر 2026م

_______________

 

نعيش اليوم في السودان وسط عاصفة من الأحداث والمتغيرات المتسارعة. حرب مستمرة منذ أبريل 2023م، انهيار اقتصادي، نزوح بالملايين، وتفكك في بنية الدولة. وفي خضم هذا الضجيج يرتفع صوت واحد يتكرر في كل مجلس وكل منصة: “نريد الإصلاح والتغيير”.

لكن السؤال الذي يتجاهله كثيرون هو الأهم: هل نملك الوعي الكافي لفهم الواقع قبل أن نحاول تغييره؟ فالإصلاح الحقيقى لا يبدأ بالحماس ولا بالشعارات، بل يبدأ بإدراك دقيق لطبيعة الأزمة، وتشخيص علمي لمكامن الخلل، وبناء وعي جمعي قادر على تحويل الفهم إلى فعل.

 

الوعي هنا ليس ترفاً فكرياً. هو شرط البقاء. فوفق بيانات المؤشر العربي 2025م، تعرض 47% من السودانيين للنزوح الشخصي أو نزوح أحد أفراد أسرهم منذ اندلاع النزاع. 42% لا يجدون المياه، و45% بلا كهرباء، و58% عاجزون عن الحصول على الغذاء الأساسي.

وفي الصحة، 71% لم يحصلوا على الدواء، و72% لم يجدوا رعاية طبية عند الحاجة. هذه ليست أرقاماً باردة. هذه صورة لانهيار “شروط الحياة” داخل المدن، حيث تحول الصراع من مواجهة عسكرية إلى حرب على الغذاء والماء والدواء.

 

اقتصادياً، الصورة أكثر قتامة. انكمش الناتج المحلي الإجمالي من 56.3 مليار دولار في 2022م إلى 32.4 مليار دولار بنهاية 2025م، أي تراجع بنسبة 42%. فقد السودان أكثر من ثلث ناتجه الزراعي والصناعي، وتعطلت أكثر من 60% من المنشآت الصناعية، وارتفعت البطالة إلى ما فوق 45%.

دخل أكثر من 20 مليون سوداني إضافي في دائرة الفقر المدقع، ليصل إجمالي الفقراء إلى ما يزيد عن ثلثي السكان. وفي يونيو 2026م أعلن وزير الموارد البشرية أن نسبة الفقر بلغت 73% داخل البلاد وخارجها. كان السودان قد خفض الفقر من 38.1% في 1990م إلى 15.6% في 2011، لكنه عاد ليرتفع إلى 45% في 2023م ثم قفز إلى 73%. هذا الارتداد التاريخي يعني أننا لا نتحدث عن أزمة دورية، بل عن انهيار تراكمي لمسار تنموي كامل.

 

سياسياً وجغرافياً، رسّخ عام 2025م واقعاً جديداً. يسيطر الجيش على 13 ولاية في الشرق والشمال والوسط، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على 5 ولايات في دارفور وغرب كردفان، مع نزاع على ولايتي شمال وجنوب كردفان. وصف المحلل ناجي عجيب هذا بأنه “واقع جغرافي جديد ينذر بانقسام فعلي طويل الأمد”، لأن استمرار السيطرة المنفصلة يعمق الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية ويزيد صعوبة إعادة توحيد مؤسسات الدولة. وفي يناير 2026م دخل السودان عامه الرابع من الحرب بلا مؤشرات جدية على الإنهاء، بل بانزلاق أعمق في الجمود العسكري والتفكك السياسي.

 

إزاء هذا المشهد، يبرز سؤال الوعي الإصلاحي. فما الذي يعنيه “الوعي” في لحظة كهذه؟ الوعي لا يعني فقط معرفة أن هناك حرباً وفقراً. الوعي يعني القدرة على ربط الأعراض بالأسباب، وفهم أن انهيار الجنيه ليس سببه المضاربة فقط، بل انهيار الإنتاج وتهريب 40% إلى 70% من الذهب.

وأن أزمة الغذاء ليست بسبب الجفاف فقط، بل بسبب تدمير مشروع الجزيرة والنيل الأبيض وسنار وخسائر تجاوزت 20 مليار دولار في الزراعة. وأن عجز الدولة ليس بسبب سوء الإدارة فقط، بل بسبب تحول الحرب إلى “عامل بنيوي يعيد تشكيل الدولة والسياسة والاقتصاد”.

 

هنا تكمن المفارقة الأولى: المجتمع السوداني أثبت قدرة مذهلة على التنظيم الذاتي عندما انهارت الدولة. انتشرت غرف الطوارئ ولجان المقاومة والمبادرات المجتمعية في 18 ولاية، وقدمت الغذاء والماء والرعاية والتعليم والمساعدة في الإجلاء. وفي 2025م وحده وصلت برامج الأمم المتحدة الإنمائية إلى 4.9 مليون شخص في عشر ولايات.

هذا يعني أن الوعي الحي موجود في القاعدة، في الشارع، في المتطوعين. لكنه لم يتحول بعد إلى “بنية مدنية وطنية قادرة على التنظيم والخدمة والتمثيل والحكم والتفاوض”. ما زال محصوراً في العمل الإغاثي ولم يرتقِ إلى مشروع سياسي واقتصادي لإعادة بناء الدولة.

 

والمفارقة الثانية: أزمة الوعي لدى بعض مكونات العمل السياسي

في المقابل، نجد أن خطاب الإصلاح نفسه تعرض للاختطاف عندما غاب عنه الوعي بضرورة التمسك بالدولة الوطنية والتوافق الجامع. ففي فبراير 2025م أعلنت ما تسمى بـ “تنسيقية صمود” عن نفسها كواجهة سياسية لتمرد مليشيا الدعم السريع التي خاضت حرباً ضد الشعب السوداني منذ أبريل 2023م.

 

هذه المليشيا هي التي مارست التهجير القسري، واغتصبت النساء، ودمرت المدارس والجامعات والمستشفيات والبنية التحتية، وحولت المدن إلى مناطق منكوبة. وبالتالي فإن أي غطاء سياسي لها لا يمكن فصله عن جرائمها.

 

إن “تنسيقية صمود” تمثل في نظر القانون العام والقانون الدولي مشاركة في مشروع يستهدف الدولة السودانية وسيادتها، وتعمل كأداة لتنفيذ أجندات أعداء السودان. وما حدث من انقسام وتفكم داخلها لم يكن مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لارتباطها بمشروع تدميري فقد أي سند شعبي أو أخلاقي داخل وخارج السودان .

 

أي أن جزءاً من خطاب “الإصلاح” تحول إلى جزء من الأزمة، عندما ارتبط بمن حملوا السلاح ضد مؤسسات الدولة وضد المواطن، وبهذا فقد أي مصداقية في الحديث عن التغيير أو المستقبل.

 

إذن كيف ننتقل من تشكيل الوعي إلى صناعة التغيير؟ الانتقال يتطلب ثلاث تحولات منهجية:

 

التحول الأول هو من وعي الشكوى إلى وعي التشخيص. يجب أن نتوقف عن سرد المظالم ونبدأ في تحليل البنية. الحرب لم تدمر المباني فقط، بل ضربت قلب الاقتصاد من الزراعة إلى التجارة إلى المالية العامة. والتعافي لن يكون بطباعة النقود لأن ذلك سيعمق التضخم، ولن يكون بالاقتراض الخارجي فقط لأنه يزيد أعباء الديون. التعافي الذكي يقوم على مزيج من الاستثمار الأجنبي المباشر والشراكة بين القطاعين العام والخاص وإعادة تنشيط القطاع المصرفي وتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية.

 

التحول الثاني هو من وعي الاحتجاج إلى وعي البناء. التجارب الدولية تقول إن إعادة الإعمار هي أكبر محفز للنمو إذا أحسن استغلالها. لكنها مشروطة بوجود رؤية اقتصادية واضحة تمنع تحول الإنفاق إلى استهلاك حكومي غير منتج. الحكومة نفسها أعلنت 2026م عاماً للسلام مع التركيز على معاش المواطن والصحة والتعليم والكهرباء والمياه ودعم المشروعات الزراعية والمسالخ ومدينة متكاملة للصادر. هذا جيد، لكنه سيظل حبراً على ورق ما لم يقابله وعي مجتمعي يراقب الأداء ويحاسب ويشارك. مجلس الوزراء قال إنه سيكون “مجلساً للمشروعات” وسيُقيم الوزراء على أساس الإنجاز. وهنا يأتي دور الوعي المدني في المتابعة.

 

التحول الثالث هو من وعي التجزئة إلى وعي الوحدة الوطنية. فخطر التفكك أو التقسيم غير المعلن هو أحد أبرز تحديات المرحلة المقبلة. لا يمكن الحديث عن إصلاح في دارفور منفصلاً عن إصلاح في الشرق، ولا عن اقتصاد في الخرطوم منفصلاً عن اقتصاد في كردفان. الوعي الحقيقى يدرك أن السودان كيان واحد مصالحه متشابكة، وأن أي مشروع إصلاح يجب أن يبدأ من فكرة “الدولة المدنية” القادرة على استيعاب الجميع وليس من منطق الغلبة.

 

في الختام، إن أكبر خطر يواجه السودان اليوم ليس نقص الموارد فحسب، وإنما غياب الرؤية الاقتصادية طويلة الأجل. والموارد موجودة: ذهب، صمغ، أرض، بشر. لكنها تحتاج إلى وعي يحولها من خامات منهوبة إلى أصول استراتيجية. والشعب موجود: صامد، متضامن، مبدع في المبادرات. لكنه يحتاج إلى وعي يحول طاقته من الصمود السلبي إلى البناء الإيجابي.

 

السودانيون لا ينقصهم الحماس. ينقصهم الاتفاق على فهم مشترك للواقع. ومن هذا الفهم المشترك فقط، يمكن أن يولد مشروع إصلاح حقيقى. فالتغيير الذي لا يسبقه وعي هو مجرد تبديل وجوه. أما التغيير الذي يبدأ بالوعي فهو صناعة مستقبل.

 

*والله ولي التوفيق*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى