﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

د. إسماعيل الحكيم
يحزنني ما وصل إليه واقعنا اليوم من جرأةٍ على حدود الله، وتمادٍ في استغلال أوجاع الناس، حتى استحالت المحنُ عند نفوسٍ خلت من الرحمة مواسمَ للاقتناص والمساومة. إن ما نعيشه اليوم من ممارسات جشعة تنتهز تعثر الخدمات المصرفية وتوقف التطبيقات الإلكترونية، يتجاوز كونه عطلاً طارئاً؛ ليغدو انزلاقاً أخلاقياً وانحرافاً شرعياً مكتمل الأركان يُمارَس ضد الملهوفين.
لقد نشأت في عتمة هذه الأزمة سوقٌ سوداء للنقد، يُقايَض فيها المال بالمال مع اقتطاع نسبةٍ منه قسراً تحت مسميات تضلل العقول كعمولة الخدمة أو رسوم السيولة ، وهو في صريح الفقه وجوهر الشرع عينُ الربا المحرّم الذي لا تدخله شبهة ولا تقبله تأويلات المقتنصين؛ إذ يُسلب المشتري نصيباً مقدراً من رصيده الإلكتروني لمجرد الحصول على النقد الورقي.
وتتجسد الخطورة الأولى في البعد الديني لهذه الظاهرة؛ فهذا المسلك ليس شطارةً تجارية كما يتوهم أربابه، إنما هو اقتحامٌ لموبقةٍ استوجبت أعنف زجرٍ في كتاب الله، حيث لم يلوّح الحق سبحانه بوعيدٍ أشد من قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
وحربُ الله عز وجل لا تُدار بالعتاد العسكري أو الأسلحة التقليدية، بل تتجلى في سُننه الكونية النافذة؛ تتجلى في محق البركة، وقسوة الغلاء، وانحباس القطر، وتفشي الفقر، واشتعال الفتن التي تُحيل الحياة إلى ضنكٍ دائم، إذ كيف يُرجى لطف السماء وأرضُنا تضج بمعاملات تجلب الغضب الإلهي وتهدد ببوار المكاسب.
أما اقتصادياً ، فيتجلى في الآثار الخانقة التي تضرب بنية السوق في مقتل؛ فهذا الخصم الربوي القسري يولّد تضخماً مزدوجاً يُثقل كاهل المواطن المغلوب على أمره، حيث تُبتسَر قدرته الشرائية مرتين: الأولى بضغط الارتفاع الأصلي لأسعار السلع، والثانية باقتطاع جزءٍ من ماله الحقيقي لمجرد تحويله إلى سيولة نقدية.
إن هذه الممارسات تؤدي إلى شلل حركة التداول المشروع، وتكدس الأموال في أيدي فئة محدودة من سماسرة الأزمات، مما يضعف الثقة بالمنظومة المالية الرسمية ويغذي اقتصاد الظل القائم على الاستغلال والتكسب غير المشروع.
ولا يقل البعد الاجتماعي خطورةً عن سابقيه، إذ تعمل هذه المعاملات المحرمة على هدم الجسور الإنسانية وتفكيك النسيج المجتمعي؛ حيث يحل الجشع محل التكافل، وتُستبدل المروءة والنخوة باستغلال ضعف المحتاج ولهفته. إن اقتطاع قوت الضعفاء يولد أحقاداً طبقية دفينة، ويغرس الشعور بالظلم والاضطهاد بين أبناء الوطن الواحد في أوقات الشدة التي هي أحوج ما تكون إلى التراحم والإقراض الحسن.
أمام هذا المنزلق الخطير، يغدو الواجب كفائياً وفردياً قبل أن يداهمنا طوفان العقاب الإلهي الذي لا يفرق بين الفاعل والساكت. إنها مسؤوليةٌ مشتركة تتكامل فيها مؤسسات الدولة بالرقابة الصارمة.
وحسم عبث السماسرة وتوفير السيولة، مع منابر الهداية ووسائل الإعلام بتسمية الأمور بمسمياتها الشرعية دون مواربة وإحياء عقيدة الكسب الحلال، جنباً إلى جنب مع ضمير الأفراد بالرجوع الصادق إلى الله، وإشاعة التضامن الأخوي؛ فالمحن لا تُرفع بالمعاصي، والأزمات لا تنجلي إلا بطهارة الأموال وصلاح السرائر.



