(فريجابيات) عبد الحليم محمد الفريجابي يكتب… متى نعترف بالفشل ونبدأ الإصلاح؟

يحتار الإنسان كثيراً أمام التدهور السريع والمريع الذي أصاب بلادنا. أصبحنا كل صباح نبكي على أمسنا، وكل عام نتحسر على العام الذي سبقه. حتى الحكومات التي انتفضنا ضدها، صرنا نتمنى لو لم نثر عليها يوماً.. وكلما لاح في الأفق بارقة أمل، خاب ظننا وتحطمت أحلامنا.
حالنا اليوم ينطبق عليه قول الشاعر:
_إن حظي كدقيقٍ فوق شوكٍ نثروه_
_ثم قالوا لحفاةٍ في يوم ريحٍ عاصف اجمعوه_
أي بلد في الدنيا يملك ما نملك؟
علماء سودانيون غطت شهرتهم أرجاء المعمورة في الطب والهندسة والاقتصاد.
أنهار عذبة ومياه جوفية تمنت دول الخليج لو كانت تحت رمالها بدلاً عن البترول.
ثروة حيوانية ضخمة تُصدر وتُسوّق في الأسواق العالمية بأسماء دول أخرى غير السودان.
أرض زراعية هي الأخصب في أفريقيا، وذهب ومعادن لم تُستغل بعد، وبنية تحتية أسسها الأوائل من جامعات ومشافٍ ومراكز بحث علمي وطرق وسك حديد.
كل هذه الخيرات موجودة.. ولكن أين نحن منها؟
*التشخيص: الاعتراف بالفشل*
لو أردنا أن نخوض في عمق “العلة” وأسباب التخلف والإحباط الذي يعيشه الشعب، فأول خطوة يجب أن نتفق عليها جميعاً هي: *الاعتراف بالفشل* وعجزنا الواضح في عدم بناء الدولة السودانية.
بينما الدول التي تحيط بالسودان تحتفل كل يوم بإنجاز وتفتتح مشروعاً تنموياً لأن خلافاتها السياسية لم تمنعها من البناء، أما نحن فعكس ذلك تماماً.
فشلنا في إدارة مواردنا. فشلنا في إدارة خلافاتنا. فشلنا في أن نضع الوطن فوق الحزب والجهوية والقبيلة. سنين عددا ونحن لم نراوح مكاننا، وكل يوم نكتشف أننا عدنا للوراء خطوات.
*الحل الجراحي: الاستفادة من تجارب الآخرين*
ثانياً: الحلول. لماذا لا نعترف بأن التجربة الوطنية الخالصة في إدارة بعض المؤسسات الاستراتيجية لم تنجح؟
دعونا نكون صريحين. فوضع السودان إبان الحكم الثنائي، رغم مراراته، كان أفضل بكثير من الناحية الإدارية والانضباطية والإنتاجية مما هو عليه الآن.
وهذا ليس دعوة لاستعمار جديد، حاشا لله. ولكنها دعوة للاستفادة من “العقل المنضبط” ومن تجارب الدول التي نهضت. دول مثل رواندا وإثيوبيا استعانت بخبرات أجنبية في إدارة مشاريعها الكبرى ونجحت.
*فلنبدأ بمشروع الجزيرة*
ليكن مشروع الجزيرة هو البداية والنموذج. محافظ أجنبي، مع تخصيص 20 إلى 25% من عائد المحاصيل النقدية كحوافز لبلاده، على أن يكون نائبه من أبناء البلد. مدراء إدارات من ذوي الخبرة ونوابهم سودانيون، مدراء أقسام أكفاء ونوابهم سودانيون.
كذلك يُوكل أمر الغيط للصف الأول من الأجانب ونوابهم سودانيون، مع منحهم كامل الصلاحيات وقانون صارم. ويسبق هذا الاتفاق اتفاق على نظافة الغيط، واستعادة سكة حديد الجزيرة، وإعادة البنية التحتية للمشروع خاصة فيما يتعلق بقنوات الري، وتأهيل المحالج (مارنجان – الحصاحيصا – الباقير)، مع الحفاظ التام على سيادتنا الوطنية وأمننا القومي.
تخيل معي: بعد خمسة أعوام فقط، كيف سيكون حال المشروع؟ كم سنصدر من القطن والقمح؟ كم سنوفر من عملة صعبة؟ ومصانع تحويلية، ومصانع لا غنى للمشروع عنها مثل صناعة الأسمدة والمبيدات. تخيل أكبر مشروع زراعي في العالم ليس لديه مصنع واحد مما ذكرناه!
والأهم من ذلك، خلق كادر وطني مؤهل ومنضبط. وبهذه الطريقة ننتقل من الزراعة التقليدية والإنتاجية الخجولة التي لا تغطي تكلفتها، إلى إنتاجية تفرح المزارع وتعيد لديه الأمل في الارتباط بالأرض أكثر وأكثر، بفضل توفر التقانات والمعينات، ويبقى الهم الوحيد أن تتواجد بأرضك لكي تنجز وتزرع وتفيد نفسك وبلدك.
ولنا مثال حي في مصنع سكر كنانة، حيث ما زال يحتفظ ببريقه رغم مرور أكثر من خمسين سنة، والسبب وجود كثير من الأجانب فيه. وهنالك شركات ومؤسسات يقودها أجانب وحققت من النجاح ما عجزنا نحن أهل البلد عن تحقيقه.
وعلى هذا المثال قس: الموانئ، السكك الحديد، الكهرباء. تخيل كيف سيكون وضعها بعد فترة قصيرة.. يجب علينا ألا نكابر، وأن نلحق أنفسنا ونستفيد من خبرات العقل الأجنبي، كما ورث الرعيل الأول جيل الاستقلال الذي كان نموذجاً في الأداء والانضباط.
*دورة صفر الإنجاز*
يبدو أننا دخلنا في “دورة صفر الإنجاز”. كثرت تجاربنا وتعددت الخطط مع تبادل المواقع والمناصب والكراسي. يأتي مسؤول جديد بخطة جديدة، يمكث عامين، ثم يذهب دون أن يحقق شيئاً، بل بالعكس يكون هناك تدني واضح في الأداء والإنجاز، ثم يأتي آخر من بعده ليبدأ من الصفر مرة أخرى وهكذا دواليك.
كل من أتى لم يقدم شيئاً يذكر ثم ذهب. والنتيجة: بنية تحتية متهالكة، ومؤسسات عجزت أن تحقق شيئاً.
*الخاتمة*
“الشعارات” وحدها لا تبني أوطاناً. وعلينا أن نعترف أن التجربة الوطنية في الإدارة قد فشلت في ملفات كثيرة…
نسال الله ان يصلح حالنا و حال البلاد و ان نستشرف وضع افضل لسوداننا الخبيب و ليس ذلك علي الله بعزيز..


