مقالات الظهيرة

(مدار الفهم) فهمي إبراهيم يكتب … يا بُنيَّ اركب معنا… قبل أن يصبح الندم هو آخر ما تبقّى!!

هناك آباء يظنون أن مهمتهم تنتهي عندما يدفعون رسوم المدرسة، وهناك أمهات يظنن أن إطعام الأبناء وكسوتهم وحمايتهم من الجوع والبرد هو تمام التربية.

 

لا يا سادة…

 

الأبوة ليست فاتورة تُسدَّد، والأمومة ليست مطبخاً نظيفاً وغرفةً مرتبة.

 

أخطر ما يمكن أن يحدث في بيتٍ أن يكون الأب حاضراً بجسده، غائباً عن قلب ابنه؛ وأن تكون الأم قريبة من ابنتها في المكان، بعيدة عنها في الوجدان.

 

ثم يأتي الطوفان.

 

وليس كل طوفان ماءً.

 

 

«يا بُنيَّ اركب معنا»… الجملة التي ينبغي أن توقظ كل بيت

 

تأملوا المشهد:

 

نبيٌّ من أولي العزم، يعرف أن الطوفان قادم، ويملك سفينة النجاة، وينادي ابنه:

 

«يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا»

 

ما أوجع النداء!

 

لم يقل له: يا عاق، يا ضال، يا فاشل…

 

قال له:

 

يا بُنَيَّ.

 

فيها الرحمة، وفيها الخوف، وفيها آخر محاولة لإنقاذ فلذة الكبد.

 

لكن الابن لم يركب.

 

وهنا الدرس الذي ينبغي أن يُكتب بماء القلب:

 

قد تملك سفينة النجاة، لكنك لا تملك إجبار من تحب على ركوبها.

 

قد توفر لابنك المال، والتعليم، والطعام، والملابس، والهاتف، والسيارة، وكل أسباب الرفاهية، ثم تعجز عن أن توفر له قلباً يخاف الله.

 

وهذه هي الخسارة التي لا تعوضها الملايين.

 

أن يملك ابنك كل شيء، ثم يفقد نفسه.

 

أن تنجح في صناعة مستقبله الدنيوي، وتفشل في إنقاذ مستقبله الأخروي.

 

 

لا تنتظروا حتى يصبح الخطأ خبراً عاجلاً

 

المشكلة أن الانحراف لا يطرق الباب قائلاً: أنا الانحراف!

 

يأتي متأنقاً.

 

يأتي في صورة صديق.

 

وفي صورة مقطع.

 

وفي صورة مزحة.

 

وفي صورة “كل الناس تفعل ذلك”.

 

ثم يكبر.

 

الأب يقول: لسه صغير.

 

والأم تقول: بكرة يتعدل.

 

وبكرة تأتي… وبعدها بكرة… حتى يصبح الابن أكبر من النصيحة، وأقوى من السيطرة، وأبعد من اليد.

 

ثم يبدأ التحقيق العائلي المتأخر:

 

من الذي غيّر ابني؟

 

والسؤال الأصح:

 

أين كنا عندما كان يتغير؟

 

فليس كل غياب عن البيت غياباً بالجسد؛ قد تجلس ساعتين بجوار ابنك ولا تعرف شيئاً عن حياته.

 

تعرف درجاته، ولا تعرف مخاوفه.

 

تعرف ماذا يأكل، ولا تعرف ماذا يشاهد.

 

تعرف من أصدقائه في الحي، ولا تعرف من يصادق في هاتفه.

 

وهذه كارثة التربية الحديثة: أصبحنا نراقب جيوب أبنائنا أكثر مما نراقب قلوبهم.

 

 

تربية الولد أشق… وتربية البنت أدق

 

الولد يحتاج إلى رجل يعلمه كيف يكون رجلاً، لا مجرد أب يأمره وينهاه.

 

علّمه أن الرجولة ليست في رفع الصوت، ولا في ضرب الآخرين، ولا في استعراض القوة.

 

الرجولة أن تكون قوياً وتملك الرحمة، قادراً وتختار الأمانة، قادراً على الانتقام وتختار العفو، وحيداً وتبقى مستقيماً لأن الله يراك.

 

أما البنت، فلا تتركوها فريسة لسوقٍ يحاول إقناعها بأن قيمتها في صورتها، وعدد المعجبين بها، وحجم الانتباه الذي تحصل عليه.

 

علّموها أن الجمال نعمة، لكنه ليس قيمة الإنسان.

 

وأن الحياء ليس تخلفاً.

 

وأن العفة ليست عقدة.

 

وأن كرامتها أغلى من تصفيق ألف غريب.

 

لا تربوا بناتكم ليكنّ مثل روما: كل الطرق تؤدي إليها؛ بل ربّوهن ليكنّ مثل مكة: لا يصل إليها إلا من استطاع إليها سبيلاً.

 

لكن الأهم: لا تكتفوا بالأوامر.

 

ابنوا القناعة قبل أن تفرضوا القاعدة.

 

فالابن الذي يخاف أباه قد يطيعه أمامه، والابن الذي يخاف الله يطيعه حتى عندما يغيب الأب.

 

وهنا الفرق بين الرقابة والتربية.

 

 

الطوفان الجديد يدخل من الشاشة

 

كان طوفان نوح يُرى من بعيد.

 

أما طوفان هذا الزمن فقد يدخل إلى غرفة ابنك في الثانية صباحاً، من شاشة صغيرة، ولا يسمع الأب له صوتاً.

 

محتوى يفسد العقل.

 

شهوة تفسد القلب.

 

صديق مجهول يزرع فكرة.

 

مشهور يصنع قدوة من التفاهة.

 

ومشهد واحد قد يهدم في دقائق ما حاولت الأسرة بناءه سنوات.

 

ولهذا فإن ترك الأبناء أمام الشاشات بلا توجيه ليس حرية.

 

إنه تسليم مفتاح البيت لمن لا تعرفه.

 

ولا يكفي أن تقول لابنك: “لا تفعل.”

 

اسأله: لماذا؟

 

ناقشه.

 

حصّن عقله.

 

علّمه أن يرفض، لا أن يختبئ.

 

 

لا تجعلوا البيت محكمة

 

أحياناً يكون أقسى ما يواجهه الابن ليس خطأه، بل طريقة أهله في التعامل مع خطئه.

 

صرخة بعد صرخة.

 

إهانة بعد إهانة.

 

مقارنة بإخوته.

 

ثم نتساءل بدهشة:

 

لماذا لا يخبرنا شيئاً؟

 

لأننا علّمناه أن الصراحة معنا عقوبة.

 

اجعل بيتك المكان الذي يعود إليه ابنك عندما يخطئ، لا المكان الذي يهرب منه عندما يخطئ.

 

احتضنه قبل أن يحتضنه الغريب.

 

اسمعه قبل أن يسمعه من لا يخاف الله.

 

صحح خطأه، لكن لا تكسر إنسانيته.

 

فالابن الذي يخجل من أبيه قد يخفي عنه الكارثة حتى تقع.

 

 

والهداية… ليست في يد الأب

 

بعد كل ذلك، تبقى الحقيقة الكبرى:

 

نحن نربي، وننصح، ونحذر، ونبذل، ونبكي، وندعو…

 

لكن الهداية بيد الله.

 

نوح عليه السلام فعل ما يستطيع، ومع ذلك لم يملك قلب ابنه.

 

فلا تيأس من ابنك إذا تأخر صلاحه.

 

ولا تيأسي من ابنتك إذا تعثرت.

 

استمروا في الدعاء.

 

فرب كلمة تُقال اليوم وتبدو عابرة، تصبح بعد سنوات سبب نجاة.

 

ورب دمعة أم في آخر الليل يكتب الله بها حياة جديدة لولدها.

 

ورب أب يرفع يديه في السجود قائلاً: يا رب، أصلح لي ولدي، فيفتح الله باباً لم يكن يراه أحد.

 

رسالة أخيرة إلى كل أب وأم

 

لا تنتظروا أن يأتي الطوفان حتى تبحثوا عن السفينة.

 

اصنعوا السفينة الآن.

 

اجعلوها صلاةً، وقرآناً، وخلقاً، وقدوةً، وحواراً، وصحبةً صالحة، وحباً لا يتوقف عند الخطأ.

 

فالأب الذي يوفر لابنه كل شيء ثم ينسى دينه، لم يوفر له كل شيء.

 

والأم التي تحمي ابنتها من برد الشتاء ولا تحمي قلبها من برد الفتن، عليها أن تنتبه.

 

أبناؤكم ليسوا مشروع نجاح اجتماعي… إنهم أمانة.

 

وسيأتي يوم لا ينفع فيه مال، ولا هاتف، ولا مدرسة، ولا سيارة، ولا شهادة.

 

فلا تجعلوا أبناءكم ينجحون في الدنيا ثم يخسرون أنفسهم.

 

اللهم احفظ أبناءنا قبل أن يصل إليهم الطوفان

 

اللهم اهدي أبناءنا وبناتنا، وأصلح قلوبهم، واحفظهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

 

اللهم إن عجزنا عن إصلاحهم فأصلحهم لنا.

 

اللهم أنبتهم نباتاً حسناً، واجعلهم من عبادك الصالحين المصلحين.

 

اللهم لا ترنا فيهم بأساً يبكينا، ولا تجعلنا نقف يوماً على شاطئ الندم ونقول:

 

ليتنا اقتربنا… ليتنا سمعنا… ليتنا انتبهنا قبل فوات الأوان.

 

يا رب، اجعل أبناءنا ممن يسمعون نداء النجاة فيركبون السفينة، ولا تجعلهم ممن يقفون أمام الطوفان ثم يكتشفون أن النجاة كانت قريبة… لكنهم اختاروا الجبل.

 

«رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ»

 

آمين يا رب العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى