ياسر أبو ريدة يكتب… التفتيش السادس.. كراسي جديدة ومحاصيل تحترق عطشاً!!

أولاً، نبارك للإخوة حمزة علي الطاهر، وعمنا أحمد عائس، والأخ محمد موسى، والأخ بله عبدالرحمن، ونتمنى لهم التوفيق في مواقعهم الجديدة، ونسأل الله أن يكونوا على قدر المسؤولية، وأن يجعلوا مصلحة المزارع ومشروع الرهد فوق كل اعتبار. لكن التهنئة شيء، والمجاملة على حساب الحقيقة شيء آخر، ومن حقنا أن نقول ما نراه، حتى لا تتحول التهاني إلى ستار يحجب واقعاً مؤلماً يعيشه المزارع.
والله، ما يحدث الآن أقرب إلى تمثيلية سياسية وتنظيمية لا علاقة لها بأوجاع المزارع ولا بأولوياته الحقيقية. وأنا هنا لا أتحدث من فراغ، فقد كتبت أكثر من مرة عن محنة العطش، وتواصلت مع عدد كبير من الإخوة، وأعرف مزارعين فقدوا محصولهم الذي انتظروه موسماً كاملاً، وبذلوا فيه المال والجهد والعرق، فإذا به يحترق أمام أعينهم بسبب انعدام المياه.
نعم، لا توجد مياه تصل إلى الزرع، رغم أن المياه على بُعد أمتار من الميجر، والمحصول يحترق، والمزارع يقف عاجزاً أمام ضياع تعبه. وفي بلد يعاني فجوة غذائية، تُترك الأراضي والمحاصيل للموت عطشاً، بينما المزارع يشتري الملوة بخمسة وعشرين ألف جنيه ليسد رمق يومه! فأي مفارقة هذه؟ وأي عبث بأعصاب الناس ومصالحهم؟
الأكثر إيلاماً أن الحواشات الملاصقة للظلت أصبحت شاهداً على هذه المأساة، ولم يكلف مسؤول نفسه عناء الوقوف عليها، ولو لمجرد مشاهدة حجم الخسارة والتحسر على مجهود المزارعين الذي ضاع. لم نرَ تحركاً يتناسب مع حجم الكارثة، لكننا اليوم نشاهد اجتماعات وصوراً وبيانات وحديثاً عن الهيكلة والتخصصية، وكأن أزمة الرهد انتهت، ولم يبقَ أمامنا سوى توزيع المقاعد وتبادل المواقع!
أما بشأن التخصصية في القسم السادس، فقد أثلج صدورنا ظهور وجوه جديدة، وفي مقدمتها الأخ حمزة علي الطاهر وعمنا أحمد عائس، وهي خطوة نأمل أن تكون بداية لتجديد حقيقي في العمل الزراعي. كما تابعنا انتقال الأخ بله عبدالرحمن من موقع الرئيس إلى الأمين العام، وتصعيد الأخ محمد موسى إلى رئاسة الجمعية. وهذه خيارات نحترمها، وندعم كل من يثبت عملياً أنه جاء لخدمة المزارعين والمشروع.
لكن السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه: هل أصبحت هذه التخصصية تعبيراً حقيقياً عن إرادة المزارعين وملاك الأراضي، أم أنها مجرد إعادة ترتيب للمواقع وفق حسابات ومصالح لا علاقة لها بقاعدة المشروع؟
نحن لسنا ضد التغيير، ولسنا ضد صعود وجوه جديدة، بل على العكس، نريد للرهد أن يمضي إلى الأمام، ونريد مؤسسات قوية تختار القوي الأمين، لا الضعيف المطيع، وتقدم الكفاءة على الولاء، والعمل على العلاقات، والمصلحة العامة على الحسابات الشخصية.
ونؤكد دعمنا الكامل للإخوة الذين وقع عليهم الاختيار في القسم السادس، ونتمنى لهم النجاح، لكن دعمنا لهم لا يعني أن نصمت عن الأخطاء، أو أن نمنح أي جهة حصانة من النقد والمساءلة. فالذي يتولى المسؤولية عليه أن يدرك أن المنصب ليس وجاهة اجتماعية ولا صورة تذكارية، وإنما تكليف ومحاسبة.
الرهد اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الاجتماعات والصور وتبادل الكراسي، بقدر ما تحتاج إلى ماء يصل إلى الحواشات، ومزارع يجد من يقف معه، ومحصول يُنقذ من الحريق.
فلا تحدثونا عن تنظيم المزارعين ومحاصيلهم تحترق أمام أعينهم، ولا تقنعونا بأنكم تبنون مؤسسات زراعية بينما المزارع نفسه يبحث عن الماء لإنقاذ ما تبقى من موسمه.
إن أردتم أن تعرفوا قيمة المسؤولية، فاذهبوا إلى الحواشات، لا إلى منصات الهيكلة؛ فهناك، وسط الزرع المحترق وأحلام المزارعين المهدرة، ستعرفون من يستحق أن يتحدث باسم الرهد، ومن عليه أن يثبت أولاً أنه أهل لهذه المسؤولية



