الأخبار الاقتصاديةمقالات الظهيرة

ابو عبيدة أحمد علي يكتب… ثروات السودان والقرار الذي يصنع التاريخ!!

رؤية وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

 

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس

 

سعادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة: استثمر البحر الأحمر مع الدول العظمى، فسيكون قراراً تاريخياً!

 

الجزء الثالث والأخير: ثروات السودان والقرار الذي يصنع التاريخ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سعادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة،

 

إن القيمة الحقيقية لمشروع البحر الأحمر لا تكمن في الموانئ وحدها، ولا في المخازن والمناطق الحرة فحسب، بل في قدرته على أن يكون بوابة لتسويق ثروات السودان وربطها بالأسواق العالمية، وتحويل الموارد الخام إلى صناعات وإنتاج وصادرات وقيمة مضافة تعود بالنفع على المواطن السوداني.

 

فالسودان بلد واسع الموارد والإمكانات؛ يمتلك أراضي زراعية شاسعة، ومياهاً وأنهاراً، وثروة حيوانية كبيرة، وموارد معدنية تشمل الذهب والحديد والنحاس والكروم والمنغنيز وغيرها من المعادن، إلى جانب مكانته المعروفة في إنتاج الصمغ العربي والمنتجات الزراعية والغابية.

 

كما أن لديه فرصاً واعدة في مجالات الطاقة والتعدين، ومؤشرات جيولوجية تستحق البحث والاستكشاف في بعض المعادن الاستراتيجية، ومنها اليورانيوم، على أن تُحدد حقيقة الاحتياطيات وكمياتها من خلال المسوحات الفنية المعتمدة، لا بمجرد التقديرات أو الأحاديث المتداولة.

 

ويمتلك السودان إمكانات زراعية كبيرة، ويمكن أن يصبح من الدول المؤثرة في الأمن الغذائي الإقليمي والدولي، إذا توافرت له مشروعات الري الحديث، والتمويل، والتقنيات الزراعية، ووسائل التخزين والنقل والتصنيع والتصدير.

 

وليس من المنطقي أن يستمر السودان في تصدير كثير من موارده خاماً، بينما يمكنه إنشاء مصانع للمعالجة والتكرير والتعبئة والتصنيع، وتطوير سلاسل القيمة، وتوفير فرص عمل للشباب، وإقامة صناعات غذائية ومعدنية وزراعية ترتبط بالموانئ والأسواق الخارجية.

 

إن مشروع البحر الأحمر يمكن أن يكون مركزاً لتجميع الصادرات السودانية، ومعبراً للمنتجات الزراعية والحيوانية، ومنصة لتخزين الحبوب والسلع الاستراتيجية، ومركزاً للصناعات المرتبطة بالتعدين والطاقة والنقل البحري.

 

ولنتصور، سيدي الرئيس، أن تتكامل مشروعات البحر الأحمر مع مشروع الجزيرة، وأن تُنقل المنتجات الزراعية من الجزيرة وسنار والنيلين الأبيض والأزرق إلى مراكز التصنيع والتخزين والتصدير، وأن تصل منتجات كردفان ودارفور والشمالية إلى الأسواق عبر شبكة حديثة من الطرق والسكك الحديدية. ولنتصور أن يتحول الذهب والمعادن من صادرات خام إلى صناعات ذات قيمة مضافة، وأن يجد الصمغ العربي والصناعات الغذائية والحيوانية منافذ عالمية منظمة ومربحة.

 

إنها ليست أحلاماً بعيدة إذا توافرت الرؤية والتخطيط والإدارة الرشيدة، بل مشروعات يمكن أن تُدرس وتُنفذ على مراحل، وتتحول إلى قاعدة لاقتصاد وطني منتج.

 

ومن هنا أقترح أن تصدروا توجيهاً بتشكيل لجنة وطنية عليا، تضم الجهات المختصة بالمالية والاستثمار والنقل والطاقة والمعادن والزراعة والثروة الحيوانية والخارجية، إلى جانب خبراء الاقتصاد والقانون والهندسة والبيئة والموانئ، لتتولى إعداد مشروع متكامل خلال فترة زمنية محددة.

 

وتكون مهام هذه اللجنة:

 

أولاً: إعداد خريطة استثمارية دقيقة لساحل البحر الأحمر، تحدد المواقع المناسبة للموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية والمخازن والمناطق الحرة.

 

ثانياً: إعداد قائمة بالمشروعات ذات الأولوية، وطرحها أمام روسيا والصين وتركيا والولايات المتحدة وغيرها من الدول والشركات المؤهلة، وفق منافسة عادلة وشفافة.

 

ثالثاً: إجراء دراسات الجدوى الاقتصادية والفنية والبيئية، وضمان عدم الإضرار بالبيئة البحرية والشعاب المرجانية والمجتمعات الساحلية.

 

رابعاً: اعتماد عقود واضحة ومحددة المدة، تحفظ ملكية الدولة للأرض والموانئ والموارد السيادية، وتضمن حق الرقابة والإشراف والمراجعة.

 

خامساً: إلزام المستثمرين بتدريب الكفاءات السودانية ونقل التكنولوجيا، وإعطاء الأولوية للعمالة الوطنية متى توافرت المؤهلات المطلوبة.

 

سادساً: ضمان أن تتضمن المشروعات نسباً مناسبة من التصنيع المحلي والقيمة المضافة، وألا تقتصر على استخراج الموارد وتصديرها في صورتها الخام.

 

سابعاً: نشر المعلومات الأساسية عن العقود والالتزامات والعوائد، وإخضاعها للرقابة المؤسسية والقانونية والمالية، حتى تكون الثروة الوطنية حقاً للأجيال لا مجالاً للفساد أو التفريط.

 

ولا بد هنا من التأكيد على أن حماية السيادة ليست شعاراً يُرفع في الخطب، بل منظومة قانونية ومؤسسية متكاملة. فالقانون الدولي يميز بين البحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية الخالصة؛ إذ تتمتع الدولة الساحلية بالسيادة على بحرها الإقليمي وفق أحكام القانون الدولي، بينما تتمتع في منطقتها الاقتصادية الخالصة بحقوق سيادية واختصاصات محددة تتعلق بالموارد والأنشطة الاقتصادية. ومن ثم يجب أن تُصاغ جميع الاتفاقيات بما يحفظ حقوق السودان والتزاماته القانونية كاملة.

 

كما ينبغي أن تبقى الموانئ والمنشآت الاستراتيجية تحت الإشراف والولاية الوطنية، وألا تتحول العقود الاستثمارية إلى ترتيبات تمس القرار السيادي أو تمنح أي طرف حقاً يتجاوز طبيعة المشروع الاقتصادي المتفق عليه.

 

سعادة الرئيس،

 

إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى قرارات اقتصادية جريئة، لا تكتفي بإدارة الأزمات، وإنما تؤسس لمرحلة جديدة من البناء والإعمار والاستقرار. فالحرب التي أثقلت كاهل البلاد لن تنتهي آثارها بمجرد توقف المدافع؛ وإنما تحتاج إلى اقتصاد منتج، واستثمارات حقيقية، وبنية تحتية قوية، وفرص عمل تعيد الأمل إلى ملايين السودانيين.

 

إننا نريد أن نرى البحر الأحمر شرياناً للتنمية، وأن نرى الموانئ السودانية مراكز للتجارة العالمية، وأن نرى قطاراتنا تربط الساحل بالداخل، وأن تصل منتجات الجزيرة وكردفان ودارفور والنيلين والشمالية إلى الأسواق العالمية عبر منظومة نقل وصناعة وتصدير متكاملة.

 

ونريد أن يصبح السودان شريكاً في صناعة الأمن الغذائي، لا مجرد سوق يستورد غذاءه، وأن تتحول موارده المعدنية والزراعية والحيوانية إلى قوة إنتاجية حقيقية، وأن يجد الشباب السوداني فرصتهم في العمل والإبداع والإنتاج داخل وطنهم.

 

إن دعوتنا إلى روسيا والصين وتركيا والولايات المتحدة ليست دعوة إلى الارتهان لهذا الطرف أو ذاك، وإنما دعوة إلى شراكات متوازنة، وإلى منافسة اقتصادية شريفة، وإلى سياسة خارجية تستثمر اختلاف مصالح الدول الكبرى لصالح السودان، دون أن تسمح بتحويل بلادنا إلى ساحة للتجاذبات أو تصفية الحسابات.

 

إنها ليست دعوة إلى منح العالم السودان، بل دعوة إلى أن يأتي العالم ليستثمر في السودان، وفق شروط السودان، وتحت سيادة السودان، ولصالح شعب السودان.

 

سعادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان،

 

إننا نضع بين أيديكم هذه الرؤية باعتبارها مقترحاً وطنياً يستحق الدراسة الجادة، وربما يكون من القرارات التي تُذكر في تاريخ السودان بوصفها نقطة تحول من اقتصاد الفرص الضائعة إلى اقتصاد المبادرة والإنتاج والشراكة.

 

فإذا نجحتم في إطلاق هذه الرؤية، ووضعتم لها الأساس القانوني والاقتصادي والمؤسسي الصحيح، فسيكون ذلك قراراً تاريخياً تتجاوز آثاره عهدكم إلى أجيال قادمة.

 

ولعل العبارة التي تختصر هذه الرؤية كلها هي:

 

لا نريد أن نتقاسم البحر مع العالم، بل نريد أن نجعل العالم يتنافس على الاستثمار في السودان، بينما تظل سيادتنا على أرضنا ومياهنا وقرارنا مصونة لا تمس.

 

حفظ الله السودان أرضاً وشعباً، وألّف بين قلوب أبنائه، ووفّق قيادته إلى ما فيه خير البلاد والعباد، وجعل من محنة اليوم بداية لنهضة وطنية شاملة، يكون فيها السودان قوياً بوحدته، عزيزاً بسيادته، غنياً بإنتاجه، وشريكاً محترماً في عالم لا يعترف إلا بمن يعرف قيمة أرضه وموارده وقراره.

 

والله من وراء القصد.

 

أبوعبيدة أحمد علي عباس

 

رؤية وطنية — نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى