مقالات الظهيرة

ياسر أبو ريدة يكتب…. أنقذوا الموسم قبل أن يتحول الجفاف إلى أزمة!!

إلى السيد رئيس مجلس الوزراء

إلى السيد وزير المالية

إلى السيد وزير الزراعة

مشروع الرهد الزراعي

 

هذه ليست صرخة مزارع يبحث عن خدمة خاصة، ولا شكوى عابرة من شح المياه، وإنما تنبيه مبكر إلى خطر قد تتسع آثاره إذا لم تتم مواجهته الآن. فموجة الجفاف التي تضرب مناطق واسعة من البلاد، ومن بينها مناطق شرقية وشمالية من مشروع الجزيرة والقضارف ومناطق الإنتاج في مشروع الرهد الزراعي، بدأت تضع المزارعين والأسر أمام واقع بالغ الصعوبة، في وقت يعتمد فيه آلاف المواطنين بصورة مباشرة على الزراعة ومواسم الإنتاج المروي

لقد كتبنا وحذرنا أكثر من مرة، وتحدثنا عن مؤشرات كانت تستوجب استعداداً مبكراً وخطة واضحة للتعامل مع أي نقص في المياه. لكن المشكلة التي تتكرر كثيراً هي أننا ننتظر وقوع الضرر ثم نبدأ في البحث عن الحلول، بينما تكون تكلفة التدخل بعد وقوع الكارثة أكبر بكثير من تكلفة الوقاية والاستعداد

وفي مشروع الرهد الزراعي تحديداً، لا ينبغي أن يُنظر إلى قضية المياه باعتبارها مشكلة تخص المزارع وحده. فالمشروع يمثل مورداً إنتاجياً واقتصادياً مهماً، وأي تعثر في الموسم الزراعي لا يتوقف أثره عند حدود الحواشة، وإنما يمتد إلى الأسواق والدخل وفرص العمل وأسعار الغذاء ومعاش الأسر

اليوم لا نتحدث عن موسم عادي يمكن أن ينتظر، ولا عن مشكلة يمكن تأجيلها إلى الغد. نحن أمام مياه وزراعة ومزارعين وأسر تعتمد على هذا الموسم في معاشها، وأمام اقتصاد يحتاج إلى كل فدان منتج في هذه الظروف الصعبة

والمزارع الذي ظل يقاوم ظروف الحرب وارتفاع أسعار المدخلات وتكاليف الوقود والعمالة والنقل، لا يحتاج إلى خطاب جديد بقدر ما يحتاج إلى مياه تصل إلى أرضه في الوقت المناسب. فالفدان الذي يعطش اليوم قد لا تمنحه الأيام القادمة فرصة أخرى، والمحصول الذي يتضرر لا يمكن تعويضه بقرار إداري يصدر بعد انتهاء الموسم

المطلوب الآن ليس تشكيل لجان جديدة ولا عقد اجتماعات طويلة، وإنما تحرك عملي عاجل على الأرض. غرفة طوارئ زراعية حقيقية تحصر الاحتياجات، وتحدد المناطق الأكثر تعرضاً للخطر، وتراجع موقف المياه، وتضع الأولويات بوضوح، وتعمل على توفير الطلمبات وقطع الغيار والوقود وكل ما يمكن أن يسهم في إنقاذ المساحات المهددة

وهنا يأتي دور وزارة المالية، التي نأمل أن تنظر إلى الأمر باعتباره قضية إنتاج وأمن غذائي واقتصاد وطني، وليس مجرد بند صرف إضافي. فالإنفاق على إنقاذ الموسم الزراعي في الوقت المناسب قد يكون أقل كثيراً من تكلفة معالجة آثار انهيار الإنتاج لاحقاً، وما يترتب عليه من ارتفاع في الأسعار وزيادة الحاجة إلى الاستيراد وتفاقم معاناة المواطن

أما وزارة الزراعة فعليها أن تكون حاضرة وسط المزارعين، وأن تتعامل مع الأزمة بالأرقام والبيانات والمعلومات الميدانية، وأن تقدم صورة واضحة عن المساحات المزروعة والمساحات المهددة وموقف المياه والاحتياجات العاجلة لكل منطقة. فالزراعة لا تنتظر، والماء لا ينتظر، والمزارع لا يستطيع أن يؤجل احتياجات محصوله حتى تتحسن الظروف

ومشروع الرهد الزراعي يحتاج اليوم إلى أن يكون في مقدمة الاهتمام، لأن إنقاذ الموسم فيه ليس شأناً محلياً محدوداً، وإنما جزء من معركة الإنتاج التي يخوضها السودان في ظروف استثنائية. والمزارع في الرهد لا يطلب المستحيل، وإنما يطلب أن تصل إليه الإمكانات المتاحة في الوقت الذي يكون فيه إنفاقها أكثر فاعلية

إن إنقاذ الموسم الزراعي مسؤولية مشتركة، لكنها تبدأ بالقرار الحكومي وبسرعة الاستجابة. وعلى الدولة أن تنظر إلى مناطق الإنتاج باعتبارها رصيداً اقتصادياً يجب حمايته، وأن تجعل قضية المياه أولوية عندما تكون حياة المحصول ومستقبل المزارع مرتبطين بها

والرسالة هنا واضحة للسيد رئيس مجلس الوزراء ووزيري المالية والزراعة: لا تنتظروا أن تتحول أزمة المياه إلى أزمة إنتاج، ولا تنتظروا أن يتحول تراجع الإنتاج إلى أزمة أسعار، ولا تنتظروا أن تصل آثار الأزمة إلى المواطن ثم تبدأ المعالجة

الوقت المناسب للتحرك هو الآن، قبل أن يصبح الإنقاذ أكثر صعوبة وكلفة

مشروع الرهد يحتاج إلى الماء قبل أن يحتاج إلى الجمعيات ، والمزارع يحتاج إلى قرار يصل إلى أرضه قبل أن يصل إليه الضرر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى