مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… هل تدخل البرهان… سيرجح كفة الميزان؟

علة الاقتصاد السوداني معروفة، وليست وليدة الحرب، وإن كانت الحرب قد فاقمتها بصورة غير مسبوقة. فقد كان الاختلال الاقتصادي موجودًا قبل ثورة ديسمبر، وظل يتراكم عامًا بعد عام دون أن تتم معالجته بخطة واضحة، ومتابعة جادة، وبدائل جاهزة عند تعثر أي مسار.

 

لدينا اختلال كبير بين الصادرات والواردات يقترب من عشرة مليارات دولار، وهذه ليست مسألة يمكن تجاوزها بالأمنيات أو بالتصريحات، وإنما تحتاج إلى برنامج اقتصادي متكامل، وأرقام مستهدفة، ومؤشرات أداء، ومراجعة دورية للنتائج.

 

وهنا يأتي السؤال: هل تدخل الفريق أول البرهان سيرجح كفة الميزان؟

 

بالتأكيد، فإن تدخل رأس الدولة يمكن أن يمنح الملف الاقتصادي قوة دفع سياسية، ويمكن أن يزيل بعض العوائق أمام القرارات العاجلة، لكنه في النهاية ليس عصا موسى يضرب بها الأرض فتتفجر من تحتها الدولارات والعملات الأجنبية!

 

الاقتصاد لا يعالج بنظام حضور الرئيس أو الزعيم، ولا بمجرد تغيير الأشخاص.

 

الاقتصاد لغة مختلفة؛ لغة أرقام وإنتاج وصادرات وواردات وأرباح وخسائر، وقبل ذلك كله ثقة واستقرار وثبات في السياسات.

 

وقد اتضح للحكومة الآن، وربما بصورة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، لماذا لا يُقدم المستثمرون الأجانب على الاستثمار في السودان بالشكل المأمول.

 

فالاستثمار لا يعيش على الوعود وحدها، وإنما يحتاج إلى بيئة مستقرة، وقوانين واضحة، وسياسات ثابتة، وضمانات تجعل المستثمر قادرًا على أن يحسب أرباحه ومخاطره لسنوات قادمة.

 

ومن هنا، وفي انتظار عودة الاستثمار الخارجي الكبير، فإن الطريق الأقرب والأسرع هو الالتفات إلى القطاع الخاص السوداني وإشراكه في معركة التعافي الاقتصادي، مقابل حوافز حقيقية وآنية، وأخرى مستقبلية مرتبطة بحجم الاستثمار والإنتاج والتشغيل والتصدير.

 

نحتاج إلى التوسع في الزراعة التعاقدية داخل المشاريع الزراعية، بحيث يرتبط المنتج بالسوق مسبقًا، ويجد التمويل والمدخلات والتسويق.

 

ونحتاج إلى إعفاء مدخلات الإنتاج المرتبطة بصناعة الغذاء، لأن كل طن غذاء ننتجه محليًا يعني دولارًا أقل يخرج من البلاد.

 

نحتاج كذلك إلى دعم برامج الأسر المنتجة وأصحاب المشاريع الصغيرة، وتسهيل التمويل لهم، وفتح منافذ التسويق، وربط الإنتاج الصغير بالسلاسل التجارية والصناعية الأكبر.

 

والأهم من ذلك كله أن نفكر خارج الصندوق.

 

فالمعركة الاقتصادية ليست معركة وزارة المالية وحدها، ولا بنك السودان وحده، ولا رجال الأعمال وحدهم.

 

إنها معركة السودان كله.

 

المزارع، والصانع، والتاجر، والمهني، والأسرة المنتجة، وصاحب المشروع الصغير، والمغترب، والمستثمر السوداني، كل هؤلاء يمكن أن يكونوا جزءًا من حراك اقتصادي داخلي إذا توفرت لهم البيئة والحوافز والضمانات.

 

نحن في مركب واحد، والمركب الذي تتقاذفه الأمواج لا يصل إلى بر الأمان إذا ظل بعض ركابه ينتظرون أن يجدف الآخرون.

 

لا بد أن يجدف الجميع.

 

أما دور الدولة والقيادة، فهو أن تحدد الاتجاه، وتضع الخطة، وتوفر البيئة، وتزيل العوائق، وتراقب التنفيذ، وتحاسب المقصرين.

 

عندها فقط يمكن أن يكون تدخل البرهان مؤثرًا؛ ليس لأنه سيصنع الدولار بقرار، وإنما لأنه يستطيع أن يدفع مؤسسات الدولة كلها إلى العمل وفق خطة اقتصادية واحدة، بأهداف واضحة ومؤشرات قياس ومواعيد محددة للإنجاز.

فالاقتصاد لا ينتظر الزعيم الذي ينقذ المركب وحده…

 

بل ينتظر دولة تعرف إلى أين تتجه، وشعبًا يجدف معها.

 

والله المستعان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى