تأملاتٌ على هامش لفتةٍ كريمة: هل ننفق العبقرية أم نستثمرها؟

بقلم /د. إسماعيل الحكيم :
ليس ثمّة شكّ في أنّ تكريم السيد رئيس مجلس السيادة للطالبة المتفوقة الحائزة على المرتبة الأولى في امتحانات الشهادة الثانوية هو صنيعٌ محمود، ولفتةٌ كريمة تجسّد تقدير الدولة لمقابلة السهر بالثناء، وللجهد بالوفاء، وتغرس في نفوس النشء قيمة التنافس الشريف.
غير أنّ الوقوف عند حدود هذه الرمزية الفردية في هذه الظرفية الاستثنائية التي يمر بها الوطن، هو استغراقٌ في الاحتفاء بالنتائج واغفالٌ لاستثمار المسببات، وتحجيرٌ لواسعٍ كان الأحرى به أن يستوعب أفق النهضة الوطنية الشاملة.
إنّ التكريم الحقيقي للعقول الفذة في هذا المنعطف التاريخي الحرج لا ينبغي أن يقف عند منصات المصافحة، أو يقتصر على الهدايا العينية والتقاط الصور التذكارية، ولكن يجب أن يتحوّل إلى استراتيجية سيادية تُعنى بصناعة المستقبل وتأطير العبقرية. ألم يكن الأوفق والأولى أن يتسع هذا التكريم ليطوق أعناق العشرة الأوائل بل المئة الأوائل من سفراء الذكاء السوداني، لا ببطاقات التهنئة، وإنما بقرارٍ رئاسي نافذ يُدخلهم مباشرة تحت سمع الدولة وبصرها، وينقلهم إلى حاضنات علمية ومعامل وطنية تنمي عقولهم وتستنفر طاقاتهم لبناء البلاد؟
إن العبور بوطننا من وطأة أزماته و أنقاض النازلة إلى رحاب التنمية يقتضي أن تضع الدولة يدها على هذه النُّخَب النابهة قبل فوات الأوان؛ فالعقول الاستثنائية لا تظل معلقة في الفراغ، وإن لم تحتضنها الدولة برعايتها وتوجهها نحو ثغور نهضتها، تخطفتها يد المتربصين بدولٍ أخرى تعرف كيف تستثمر في الذكاء الجاهز، لنخسر نحن جهدهم ونبكي لاحقًا على أطلال عقولنا المهاجرة.
يجب أن تُقسَّم هذه الكفاءات بحسب ملكاتها على التخصصات الاستراتيجية التي تبني مجد الأمة؛ فيوجَّه بعضهم لتطوير صناعة الأدوية ومستخلصاتها الوطنية لتأمين الأمن الصحي، ويُساق آخرون نحو علوم التصنيع العسكري وتقنياته لبناء الردع والتفوق، بينما يُندب فريقٌ ثالث لإتقان أنظمة الرقمنة والذكاء الاصطناعي لحماية الفضاء الإلكتروني، ويُدفع بآخرين إلى أسرار كيمياء البترول وتخطيط المدن وتطوير الهندسة الحيوية.
من هنا تحدد الدولة بوصلتها، وتفتح صفحة جديدة مع بنيها أساسها الدعم والمؤازرة في أول الطريق، لتضمن في ختامه نهضة حقيقية ومستقبلاً واعداً.
إن العقول الوطنية هي المورد الأغلى الذي لا يعوض، ومتى ما أُحسن احتضانها وتوجيهها في مسارات البناء الصحيح، تحولت من مجرد أرقام في قوائم الناجحين إلى كتائب مهندسين وعلماء يضعون اللبنات الأولى لسودان الغد.



