(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب… «إذا بدأ كلبك بالنباح عليك… فأعلم أن هنالك من يطعمه»
ليس أشد هولاً في معارج التجربة الإنسانية من تلك اللحظة التي يتكسر فيها نغم الوفاء، حين تستحيل النبرة التي كانت تُفرد لحيادك وحمايتك إلى حشرجة ملغومة بالجحود والتوجس. في المعمار المعرفي والمأثور الدارج، تتسامى مقولة *”إذا بدأ كلبك بالنباح عليك، فأعلم أن هنالك من يطعمه”* لتستوي على عرش البلاغة التعبيرية، متجاوزةً حدود الحراسة والإطعام لتغدو مصفوفة تشريحية لديناميكية الولاء حين تخضع لابتزاز “الموائد الخفية”. إنها لحظة الانكشاف الحاسم.
حيث تتساقط الأقنعة وتنجلي جلبة الأوهام عن طرف ثالث أتقن العزف على أوتار الحاجة، واستثمر في ثغرات النفوس ليعيد صياغة بوصلة الانتماء. إن هذا النباح ليس مجرد جرس عابر في الفضاء، بل هو كود تنبيهي وزلزال مضطرب يُعلن بوضوح عن دخول “مغذٍ جديد” إلى المعادلة، لم يكتفِ بإطعام الجسد، بل أعاد تشكيل الوعي وصنّع عداءً لم يكن له وجود في أصل الرحلة.
وحين نغوص في العصب الاجتماعي والسياسي لهذه الظاهرة، نجد أن تحول الولاءات لا يحدث بغتة، بل عبر عملية “تطعيم تدريجي” تُديرها أيدٍ خفية بمهارة ومكر صامت تحت جسور الظلام. إن العطايا التي تُلقى في العتمة لا تهدف إلى سد رمق الحاجة بقدر ما تهدف إلى سلب الإرادة ومصادرة الصوت؛ وهنا تكمن التراجيديا الوطنية والأخلاقية. فالذي اعتاد أن يستمد وجوده وقوته من ظلك، يكتشف فجأة أن ثمة مائدة خلفية تقدم له وجبات أضخم، لكن بتكلفة باهظة تُسدد حتماً من رصيد الكرامة ووفاء الأصل. إن النباح على ولي النعمة الأول ليس إلا “رسالة إثبات جدارة” للسيّد الجديد، وإعلاناً جريحاً عن السقوط في فخ الارتزاق والتنكر للعهد، وهو ما يورث التشرذم ويقتل اليقين في المبادئ.
وهنا تنكشف المأساة في أبهى تجلياتها: إن الذي يبيع نبرته لمطعمٍ طارئ ينسى أن الموائد الخفية لا تصنع فرساً، بل تخرّج أجراء يتبدلون بتبدل النوال؛ فاليد التي تطعمك اليوم لتسلطك على ولي نعمتك بالأمس، هي ذاتها اليد التي ستلقي بك في سلة الإهمال فور انقضاء وطرك وانتهاء صلاحية نبيحك. إنها معادلة الارتزاق الرخيصة التي تجعل المرتزق خاسراً في الميدانين: خسارة الوفاء الأول، وخسارة الاحترام لدى المطعم الجديد الذي يعلم قبل غيره أن من خان أصله لأجل لقيمات، لن يتوانى عن نباحٍ جديد حين تجف المائدة!
وهنا بالذات تتجلى فلسفة “الجوع الأصيل”؛ ذلك الاستعلاء المتسامي الذي يجعل النفوس العزيزة لا تطأطئ للموائد، بل تطوي المسافات بنقاء الضمير ورصانة الموقف. ورغم مرارة الانكشاف وقسوة المشهد، يبقى في أعماق الجوهر العتيق نبع لا يجف، ومعدن أصيل لا تصدأ بوصلته مهما أطبقت عليه العواصف أو أغرته فتات الموائد. إن مواجهة هذا الانكسار لا تكون بالمثل ولا بالانجرار إلى مهاترات الصوت العالي، بل بالاستعانة بالرصانة والوعي النافذ الذي يفرز الزبد عن الجوهر، ويطوي المسافات نحو الريادة. إن الوفاء الحقيقي ليس سلعة تُعرض في مزادات الاحتياج، بل هو عقيدة تسري في دماء الأوفياء المسكونين بنقاء الأصل ورسوخ المبدأ. ولأن العودة إلى النقاء هي السبيل الوحيد لاستعادة التوازن والشموخ، فإن المستقبل لن يكون إلا لأولئك الذين لم تلوثهم العطايا الخبيثة، والذين يدركون أن خبز الكرامة وإن كان كفافاً، أصلب عوداً وأبقى أثراً من كل موائد الزيف والارتهان.



