(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار أبو محمد يكتب… كان بالإمكان أفضل مما كان!!

إن الحروب إذا وضعت أوزارها، وهدأ دوي المدافع، وسكنت صرخات الثكالى، لا تعني بالضرورة أن الفصل قد ختم، بل هي لحظة مفصلية تفصل بين خراب مضى، وبناء يُرتجى. وما بعد الحرب ليس امتداداً للدمار، وإنما هو امتحان آخر، أشد قسوة وأطول أمداً، يختبر وعي الأمم وقدرتها على النهوض من تحت الركام.
لقد اعتدنا أن نقيس أعمار الشعوب بعد الحروب بعدد القتلى، وحجم الخسائر، وطول قوائم المفقودين.
ولكن ثمة عمراً آخر لا يظهر في الإحصاءات، عمرٌ يسكن في نفوس الناجين، وفي عيون الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، وفي صبر الأمهات اللواتي غزلن من الحزن ثوب رجاء. إنه عمر الترميم، وعمر المساءلة، وعمر السؤال الأهم: ماذا كان بالإمكان أن يكون، لو أحسنا الاختيار؟
إن القول “كان بالإمكان أفضل مما كان” ليس جلداً للذات، ولا استسلاماً لليأس، بل هو بوصلة. فالأمم التي اكتفت بالبكاء على الأطلال، بقيت في الأطلال.
وأما التي حولت الحسرة إلى مشروع، والندم إلى خطة، فقد عبرت. اليابان بعد هيروشيما لم تقل “لقد انتهينا”، بل قالت “سنبني من جديد، ولكن بعلم”. وألمانيا بعد الخراب لم تجلس لتعدد جراحها، بل شرعت في إعادة صياغة الإنسان قبل الحجر.
وما أحوجنا اليوم، ونحن نرنو إلى ما بعد الحرب، أن ندرك أن الأعمار لا تُحسب بالسنين، بل بالإنجاز. فعمر وطن بعد الحرب يبدأ حين يتوقف القادة عن خطاب الانتقام، ويبدأ المهندس في رسم المدرسة قبل أن يجف دم الشهيد.
يبدأ حين تتحول ساحات النزاع إلى ساحات حوار، وحين يصبح القلم أثقل من البندقية، وحين نعلم أبناءنا أن الوطن لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالعرق والوقت والإتقان.
المدن المحررة: بين فرحة التحرير ومحنة الإعمار
وإذا كان الحديث عن الأوطان بعد الحرب عاماً، فإن الحديث عن المدن التي تم تحريرها هو حديث عن جرح مفتوح ونقطة ضوء في آنٍ معاً.
فالتحرير ليس نهاية المطاف، بل هو ميلاد عسير. المدينة المحررة تستقبلك ببيوت مهدمة، وشوارع غارقة في الصمت، ومدارس تحولت إلى ثكنات، ومستشفيات نهبت أجهزتها.
إن فرحة العودة إلى الديار لا تكتمل إلا بثلاث:
1. إزالة مخلفات الحرب: فكم من طفل قضى لأن دانةً وجدها لعبة؟ وكم من أسرة تمنعها الألغام من العودة إلى بيتها؟ إن أول واجب للدولة في المدينة المحررة أن تعيد لها الأمان المادي قبل الأمان النفسي.
2. إعادة الحياة لا إعادة الشكل ليس الإعمار أن نطلي الواجهات وننسى الداخل. الإعمار أن يعود الماء للحنفيات، والكهرباء للمصانع، والكتاب للمدرسة، والدواء للمشفى. أن يعود التاجر لدكانه، والمعلم لصفه، والشرطي لشارعه.
3.مصالحة المجتمع مع نفسه: أخطر ما يهدد المدينة المحررة ليس الخراب، بل خطاب الانتقام. فالمدينة التي تحررت بالبندقية يجب أن تُبنى بالحوار. يجب أن نغلق أبواب الثأر، ونفتح أبواب القانون، حتى لا تتحول نقطة الضوء إلى بؤرة نزاع جديد.
إن المدينة المحررة هي ورقة الامتحان الحقيقية لشعار “كان بالإمكان أفضل مما كان”. فهل سنكتفي برفع العلم والتصوير، أم سنغرس شجرة، ونفتح طريقاً، ونرمم قلباً؟
إن أخطر ما في مرحلة ما بعد الحرب هو استسهال “الترقيع”.
أن نعيد طلاء الجدران المتصدعة، ونسمي ذلك إعماراً. أن نعيد فتح الأسواق، وننسى أن القلوب ما زالت مغلقة. أن نُسكت البنادق، ولا نُسكت خطاب الكراهية الذي كان وقودها. وهذا هو الفارق بين من يعيشون، ومن يحيون.
إن نقطة الضوء الحقيقية لا تكمن في عودة الكهرباء، ولا في فتح الطرقات، وإن كانت ضرورات.
وإنما تكمن في عودة الثقة. ثقة المواطن بدولته، وثقة الإنسان بأخيه الإنسان، وثقة الأجيال القادمة بأن المستقبل ليس لعنة مكتوبة، بل صفحة بيضاء يمكن أن نخطها بما نشاء.
فلنسأل أنفسنا بصدق: ما الذي كان بالإمكان فعله وتقاعسنا عنه؟ ما المدارس التي لم تُبنَ، والمصانع التي لم تُشيد، والمبادرات التي قُتلت في مهدها؟ ثم لنحول هذا السؤال إلى عهد. عهد مع النفس، ومع التاريخ، ألا نكرر ما مضى.
إن التاريخ لا يرحم المتخاذلين، ولكنه يخلد الصابرين البنائين. وما بعد الحرب عمرٌ جديد، وإن أحسنا استثماره في مدننا المحررة، كان نقطة ضوء في سفر أمتنا الطويل. وإن أضعناه، صار شاهداً علينا بأننا رغم كل الدماء، لم نتعلم.
فليكن شعار المرحلة القادمة: لا نريد فقط أن نعود كما كنا، بل أن نكون أفضل مما كان بالإمكان أن نكون. ففي ذلك وحده نجاة، وفي ذلك وحده حياة.



