مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… حوار دولة المؤسسات… لا دولة المحاصصات!!

لجنة تهيئة الحوار السوداني التي جرى تشكيلها مؤخرًا تبدو وكأنها تتلمس طريقها بصعوبة، وسط هجوم كثيف عليها، تارةً بتهمة عدم الحياد، وتارةً أخرى بأنها تمثل السلطة الحاكمة.

 

ولو كنت مكان أعضاء اللجنة، لما أرهقني كثيرًا نفي هذه الصفة.

 

فما العيب في أن تكون اللجنة قد تشكلت في ظل السلطة القائمة؟

 

لولا وجود هذه السلطة، لما تمكنت اللجنة من الاجتماع في الخرطوم، ولما استطاعت أن تستقبل المبعوثين الدوليين الذين يأتون إلى السودان من أجل الحوار.

 

ولولا حالة التعافي التي بدأت تدب في مؤسسات الدولة، لما عاد السفراء، ولما عادت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، ولما بدأت الخرطوم تستعيد شيئًا من دورها كعاصمة لدولة ذات سيادة.

 

إذن، المشكلة ليست في الانتساب إلى هذه السلطة… وإنما في ماذا سنفعل بهذا الانتساب؟

 

التحدي الحقيقي أمام لجنة تهيئة الحوار ليس أن تقنع الناس بأنها لا تمثل السلطة، وإنما أن تنجح في الوصول إلى القوى والكفاءات التي تستطيع أن تنقل السودان من دولة المحاصصات إلى دولة المؤسسات، ومن صراع الجماعات على الوزارات والمواقع إلى دولة الخطط والبرامج ومؤشرات الأداء والإنتاج.

 

هذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل بال اللجنة:

 

من هم السودانيون الذين نريد أن نجلس بهم حول مائدة الحوار؟

 

هل نريد إعادة تدوير الوجوه نفسها التي ظلت تتصارع على السلطة لعقود؟

 

أم نريد أن نفتح الباب أمام الكفاءات الوطنية والخبرات التي تستطيع أن تبني دولة؟

 

الشعب السوداني لا يعنيه كثيرًا أن يعود زيد أو عبيد من سياسيي المنافي، ولا أن تتسابق النخب القديمة إلى احتلال المقاعد مرة أخرى.

 

الشعب يريد من يعمل من أجل أن لا يكون هناك سوداني جائع، ولا طفل بلا مدرسة، ولا مريض عاجز عن شراء دوائه، ولا أسرة تعيش بلا كهرباء أو ماء.

 

يريد دولة تحترم مواطنها، وتحمي موارده، وتفتح له أبواب العمل والإنتاج.

 

الحوار السوداني القادم يجب أن يكون حوار الكفاءات والخبرات… لا حوار أولاد البيوتات.

 

حوار من يملك رؤية وبرنامجًا وقدرة على التنفيذ، لا من يملك اسمًا عائليًا أو بندقية أو تاريخًا طويلًا في الصراع على السلطة.

 

ولا نريد أن تتحول قضية التهميش إلى بطاقة عبور دائمة إلى المناصب، بينما يصبح ترك العمل والإنتاج والعيش على هامش الدولة مشروعًا سياسيًا قائمًا بذاته.

 

لقد سئم السودانيون دولة الترضيات.

 

وسئموا حكومات تقسم الوزارات على أساس الولاءات والانتماءات، ثم تبحث بعد ذلك عن برنامج.

 

نريد العكس تمامًا:

 

برنامج أولًا…

 

وكفاءة ثانيًا…

 

ومؤشرات أداء ثالثًا…

 

ثم يأتي المنصب لمن يستطيع تنفيذ ذلك.

 

الحوار السوداني القادم يجب أن يكون حوار التنمية والسيادة والإعمار.

 

حوار بناء المؤسسات.

 

حوار إعادة الاقتصاد إلى مساره.

 

حوار إعادة تشغيل السكة الحديد، وإحياء مشروع الجزيرة، وتطوير الموانئ، واستعادة الناقل الوطني، وبناء الصناعة والزراعة والطاقة، وفتح أبواب العمل أمام الشباب.

 

نريد حوارًا يعيد للسودان مكانته، وللمواطن كرامته، وللدولة هيبتها.

 

نريد سودان اليد العليا…

 

سودانًا لا يستجدي قراره من الخارج، ولا يبيع سيادته في موائد التفاوض، ولا يجعل المناصب غنائم تتقاسمها النخب.

 

سودانًا تكون فيه الدولة أكبر من الحزب، والمؤسسة أكبر من الفرد، والقانون أعلى من الجميع.

 

ذلك هو الحوار الذي ينتظره الشعب.

 

أما نخب الفشل، وأصحاب المحاصصات، وتجار التهميش، ومدمنو المناصب، وأصحاب اليد السفلى…

 

فقد آن للسودان أن يتجاوزهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى