(همسة وطنية) د. طارق عشيري يكتب… لن يتعاطف العالم معنا !!

توقفت عن الكتابة خلال هذا الاسبوع لانشغالي بزواج ابنتي ومرت احداث كثيرة لكن عدم مشاركة الفريق البرهان رئيس مجلس السيادة في انعقاد الجمعيه العمومية للامم المتحدة كان الحدث الابرز ولأني علي قناعةتامة وقلناها من قبل في مقال كامل الدسم ، ونقولها اليوم بوضوح للتاريخ وللاجيال ولاهل السياسية وقادة السودان( لن يتعاطف العالم معنا إلى الأبد)، ولن ينتظر العالم السودان حتى يستعيد عافيته. فالعالم يتحرك وفق (مصالحه وحساباته)، والدول لا تبني (مستقبلها) على (انتظار التعاطف)، وإنما على( قوة إرادتها) وقدرتها على حماية مصالحها و(صناعة مستقبلها)
لقد (أنهكت) الحرب السودان، و(أثقلت كاهل المواطن)، ودمّرت كثيراً من البنى والخدمات، وخلّفت جراحاً عميقة في المجتمع. لكن أخطر ما يمكن أن نفعله بعد كل ذلك هو أن( نتحول إلى شعب ينتظر الآخرين) ليعيدوا (بناء وطنه)
نعم، نحن بحاجة إلى) علاقات دولية متوازنة)، وإلى التعاون والاستثمار والدعم الإنساني والتنموي، لكن (المساعدة الخارجية) ينبغي أن تكون (جسراً للنهوض)، لا (بديلاً عن الإرادة الوطنية)
السودان لا يفتقر إلى الموارد. لدينا أرض واسعة، ومياه، وثروة حيوانية، وموارد معدنية، وموقع جغرافي مهم، وشعب يمتلك خبرات وقدرات كبيرة. وما ينقصنا في كثير من الأحيان ليس الإمكانات، وإنما (حسن الإدارة)، و(الاستقرار)، وسيادة القانون، والرؤية التي تحول الموارد إلى إنتاج وفرص عمل وقيمة مضافة.
بعد الحرب، يجب أن يتغير السؤال من: ماذا سيقدم لنا العالم؟ إلى: ماذا سنقدم نحن للسودان؟
ماذا يستطيع المزارع أن ينتج؟
ماذا يستطيع المهندس أن يبني؟
ماذا يستطيع المعلم أن يقدم؟
ماذا يستطيع المستثمر أن يوظف؟
وماذا تستطيع الدولة أن تهيئ من بيئة للعمل والإنتاج؟
إن إعادة بناء السودان ليست مسؤولية الحكومة وحدها، ولا الجيش وحده، ولا الأحزاب، ولا رجال الأعمال، ولا المنظمات؛ إنها( مسؤولية وطنية مشتركة) وكل مواطن يستطيع أن يساهم في إعادة بناء وطنه من موقعه، مهما كان حجم دوره.
نحتاج إلى أن( نغادر ثقافة الاستهلاك) إلى (ثقافة الإنتاج)، ومن( التنظير إلى العمل)، ومن( انتظار الحلول إلى صناعة الحلول) نحتاج إلى مصانع ومشروعات زراعية وخدمات حديثة، وإلى تعليم يعيد بناء الإنسان، وإلى مؤسسات دولة قادرة على التخطيط والتنفيذ والمحاسبة.
و(الأهم من ذلك كله) أن نعيد( بناء الثقة)بين المواطن والدولة، وبين أبناء الوطن بعضهم بعضاً. فالدولة التي خرجت من الحرب تحتاج إلى (مصالحة مجتمعية)، وإلى (خطاب وطني) يفتح الطريق أمام المستقبل بدلاً من إعادة إنتاج الخصومات.
ليس المطلوب أن( ندير ظهورنا للعالم)، بل أن( نتعامل معه) من( موقع دولة تعرف ماذا تريد)، و(تملك ما تقدمه)، و(تحافظ على مصالحها)
السودان يستطيع أن يكون (شريكاً لا مجرد متلقٍ)، و(منتجاً لا مستهلكاً)، وصاحب( مبادرات) لا منتظراً (للمبادرات)
لقد علّمتنا الحرب أن الوطن لا يحميه الكلام وحده، وأن الأوطان لا تبنى بالأمنيات.
لن يتعاطف العالم معنا إلى الأبد، لكن السودان يستطيع أن ينهض إذا امتلك أبناؤه الإرادة، ووحّدوا جهودهم، ووضعوا مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة.
فلنبدأ من اليوم.
لا ننتظر العالم كي يبني السودان.
بل نبني السودان، ثم يأتي العالم ليتعامل مع سودان قوي، منتج، مستقر، وقادر على الوقوف على قدميه وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل



