(همسة وطنية) د. طارق عشيري يكتب… كيف نحارب انحرافات الحرب؟

مايحدث في الشارع السوداني بعد الحرب من تغيرات في انماط البشر وسلوكيات تحتاج الي دراسة عميقة لنفسيات الإنسان السوداني ولقد كتبت مقال عنوانه نحن في حوجه الي علاج نفسي مع تشخيص للحالات التي ظهرت في سلوكيتنا اليومية حيث الحرب لا تنتهي دائماً عندما (يصمت صوت الرصاص)، فهناك حروب تترك( آثارها) داخل النفوس والعقول والمجتمعات. وبعد توقف المعارك تبدأ مرحلة لا تقل أهمية عن مرحلة الدفاع عن الوطن، وهي مرحلة( مواجهة انحرافات الحرب) وإعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء المكان.
لقد فرضت الحرب( واقعاً استثنائياً)، وانتشرت خلالها بعض السلوكيات الخطيرة مثل( العنف)و(ثقافة السلاح)، و(ضعف احترام القانون)، و(الجريمة)، و(المخدرات)، و(خطاب الكراهية والانتقام) والخطر الحقيقي أن تتحول هذه السلوكيات، بعد انتهاء الحرب، إلى أمر عادي في حياة الناس.
لذلك فإن أولى خطوات مواجهة انحرافات الحرب هي إعادة( هيبة الدولة وسيادة القانون) فالمواطن يحتاج إلى أن يشعر بأن الدولة حاضرة، وأن أمنه مسؤولية مؤسسات قوية ومهنية، وأن( القانون يطبق على الجميع). فلا يمكن أن يبدأ البناء الحقيقي في ظل الفوضى أو( انتشار ثقافة القوة خارج إطار الدولة)
كما أن من أهم واجبات المرحلة (معالجة الآثار النفسية للحرب) فالذين عاشوا( الخوف) وفقدوا( الأهل) والممتلكات وشاهدوا( الدمار) يحتاجون إلى( الدعم النفسي والاجتماعي) فبعض( السلوكيات) التي تظهر بعد الحرب قد تكون نتيجة لجراح (داخلية) لم تجد العلاج.
ويظل (الشباب) في (مقدمة الفئات) التي يجب الاهتمام بها، لأن (البطالة واليأس والفراغ) قد تدفع البعض إلى (المخدرات والجريمة والعنف). ولذلك فإن محاربة الانحراف لا تكون (بالنصح فقط)، وإنما بتوفير التعليم والتدريب وفرص العمل والمشروعات التي تجعل الشباب جزءاً من عملية بناء السودان.
وللأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام دور أساسي في هذه المعركة. فالمجتمع يحتاج إلى استعادة قيمه الأصيلة؛ قيم الرحمة، والتكافل، واحترام الآخرين، وحماية الممتلكات، والاحتكام إلى القانون.
كما يجب أن نواجه خطاب الكراهية والانتقام، لأن الوطن لا يمكن أن ينهض بعقول ما زالت تعيش أجواء الحرب. نحتاج إلى العدالة التي تحفظ الحقوق، وإلى المصالحة التي تفتح الطريق للمستقبل، وإلى خطاب وطني يجعل اختلافنا مصدر قوة لا سبباً للصراع.
إن معركة ما بعد الحرب هي في حقيقتها) معركة وعي وقيم) فلا يكفي أن( نجمع السلاح) من الشوارع إذا بقيت (ثقافة العنف) في العقول، ولا يكفي أن( نبني المنازل) إذا بقي (الإنسان مدمراً) من الداخل.
السودان اليوم يحتاج إلى( إعادة إعمار الإنسان) كما يحتاج إلى (إعادة إعمار المدن) وإذا أردنا مستقبلاً آمناً، فعلينا أن نحارب انحرافات الحرب( بالقانون، والتربية، والوعي، والعمل، والعدالة)
فالحرب يجب أن( تنتهي في الميدان)، ولكن واجبنا الأكبر أن نمنعها من الاستمرار في( سلوكنا وأفكارنا ومستقبل أبنائنا)
إن بناء السودان بعد الحرب يبدأ عندما ننتصر على آثار الحرب داخل أنفسنا، ونختار أن يكون القادم زمناً للبناء لا للفوضى، وللأمل لا لليأس، وللوطن لا للانحراف وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل



