(من همس الواقع) د.غازي الهادي السيد يكتب… معلمو ولاية الجزيرة والإقرارات المشفوعة باليمين لإثبات أنهم معلمون!!!
“كيف أساويكم بمن علموكم”…..
جملة أطلقتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في حضور مئآت من القضاةوالأطباء والمهندسين حينما طالبوها بإضافة زيادة لرواتبهم كالمعلمين الحكوميين الألمان الذين حصلوا على الزيادة فاكتفت ميركل بإطلاق جملتها المشهورة كيف أساويكم بمن علموكم، لتُعتبر تلك الجملة في نظر الكثيرين يومها درسا في الأخلاق، تمكنت من خلالها المستشارة الألمانيةأن تعيد للمعلم مكانته ليس في ألمانيا فحسب بل في العالم أجمع،فحين يبذل المرء جهده بإخلاص، ويضع قلبه قبل يده في عمله، ثم لا يجد تقديرًا ولا إنصافًا، يذبل الحماس في داخله شيئًا فشيئًا.وتنطفيء هذه الشعلة عن الإضاءة كذلك.
ففي ولاية الجزيرة لايزال المعلمون يعانون التهميش والإذلال من متأخرات لم تأتِ بعد ولم يسمعوا لها همسا،فهم لهم من المتأخرات%40 من مرتبات أشهر (يوليو،أغسطس،سبتمبر،أكتوبر) لعام 2023،إضافة إلى كامل مرتبات عام 2024 (12 شهرًا)،وفي مرتبات 2025: لهم من المتأخرات مايشمل أشهر يوليو، أغسطس، وسبتمبر 2025، ولهم من
البدلات والمنح: ست منح أعياد، وبدل لبس وبديل نقدي لثلاثة أعوام،كما تشمل المتأخرات أيضاً تسويات وظيفية، وفروقات الترقيات المستحقةالتي مضى عليها أعوام طوال،.
وهي ديون متراكة في ذمة حكومة الولاية تجاه المعلم،بموجب القانون والعدالة والضمير،وهي تمثل الحد الأدنى لضمان كرامة المعلم،التي تجعله يُؤدي واجبه المهني على أكمل وجه.
مما يجعله يبدع في عمله،فيجب رد الحقوق لأهلها بمراجعة الخصومات والاستقطاعات التي تحصل في راتبهم الهزيلة التي صارت لاتكفي ولاتفي لشراء احتياجات أسرة صغيرة لاسبوع،وكما يجب توحيد هيكل الأجور وازالة الفوارق الولائية،تحقيقاً لمبدأ العدالة والمساواة بين رصفائهم في المركز،فقد صار معلم الولاية يُنظر إليه كأنه متسول وحاشا لله أن يكون كذلك،وقد ظل المعلم يعيش بين مطرقة الهوان وسندان الظلم، والفقر يدخل عليه من كل باب،حيث لا إنصاف من وزارة ولا نقابة، فمعلم البشرية الأول الرسول (صلى الله عليه وسلم)يقول
داعياً ومحذراً من تولى مسؤولية من أمور المسلمين، سواء كان واليًا أوزيراً أومسؤولًا إداريًا فلم يرفق بهم،أو”شقّ عليهم” وضيّق عليهم أوعطّل مصالحهم أو لم يؤدِّ واجبه في خدمتهم،بأن يُشقق الله عليه،وداعياً ومبشراً لمن رفق بهم بإن يرفق الله به بقوله:(من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقَّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به)،فقد ارتفعت صرخات المعلمين دون أن تجد لها آذاناً صاغية من المسؤولين.
مما جعل المعلم في مجتمعه بلاوزن،بسبب تلك السياسات الوزارية التي جعلت المعلم كأنه متحصل جباية،وبتلك السياسات ظل يُطارد في تلاميذه من أجل تحصيل الرسوم الدراسية لتسيير المدرسة والمكاتب التعليمية الحكومية.
وليقوم أيضا بجمع رسوم الإمتحانات من رسوم امتحان تجربيي ونهائي،مع ذلك الواقع المرير الذي تعيشه الأسر التي انهكتها ظروف النزوح،مماجعل المعلم عرضة للاعتداءات اللفظية والجسدية، وتجاوز ذلك للتشهير به والتحريض عليه وإثارة الراي العام ضده،مماقلل أكثر من هيبته في مجتمعه،فما يعيشه المعلم في ولاية الجزيرة لايرقى إلى الحد الأدنى من التقدير المهني والحقوق المشروعة،وهذا تلقائياً سيُؤدي إلي إنهيار التعليم بالجزيرة،فيجب مراعاة حقوق المعلمين وصون كرامتهم.
حتى يعيشوا بكرامة وعزة تليق برسالتهم السامية، وحتى يعشيوا حياة كريمة هم والمتقاعدون منهم،دون منّةٍ ولا إذلال،فإذلال المعلم إذلال وطن،فبربكم كيف ننتظر من معلمٍ يُنظر إليه من قِبل الحكومة كأقل فئة،أن يُؤدي دوره على الوجه المطلوب،ففي ولاية الجزيرة وفي عدد من محلياتها قد قامت مليشيا آل دقلو الإرهابية بحرق معظم ملفات المعلمين في مكاتب شؤون العاملين،
ليأتي القرار الإداري الذي يعكس مدى الظلم الذي ظل يتلقاه المعلم،بأن يذهب المعلم إلى المحكمة ليأتي بإقرار مشفوع باليمين يُثبت فيه أنه معلم،ويُثبت فيه أنه أخذ اجازة أو اعارة أو لم يأخذهما،برسوم فوق العشرين جنيه يدفعها مقابل ذلك للمحكمةرغم قلة راتبه الضعيف،فأي إذلالٍ هذا أيها المسؤولون؟فكيف يذهب المعلم ليُؤدي اليمين ليثبت أنه معلم؟مع وجود داتة المرتبات أو قاعدة بيانات مرتبات المعلمين بطرفكم التي عليها اسماء كل المعلمين ودرجاتهم،وقد تم صرف المرتبات بها لعدد من الشهور،فإن كانت غير معتمدة فلماذا يتم صرف المرتبات بها؟
وإن لم تثبت لهم هذه الكشوفات إنه معلم،أما كان من الأجدى لكم أن ترجعوا للإدارات من مدراء تعليم أو اشراف تربوي أو مدراء المدارس ليحرروا لهم هذه الإثباتات التي تُؤكد بإن المعلم يعمل بهذه المهنة ،وأنه أخذ اجازة أو اعارة أم لا،فما هذا العبث وماهذه القرارات الخاطئة،يامن وضعتم موضع القرار،فهذه القرارات لاتمت بصلة إلى المهنية،واحترام الرسالة التربوية،بل تمثل انحدر في النظرة العامة للمعلم ومكانته،أهكذا أيها المسؤولون يعامل صانع الأجيال والشمعة التي ظلت تحترق لنشر الصدق والأمانة والفضائل الحسنة كأنه موضع شبهة لا موضع ثقة،فمثل هذه القرارات المجحفة في حق المعلمين ماهي إلا اخضاع المعلمين لاجراءات تطعن في أمانتهم، ومصداقيتهم، فأي واقع هذا الذي يُجبر المعلم أن يُؤدي قسماً ليثبت أنه يعمل بالمهنة؟
أيها المسؤولون اعلموا أن الرجوع للحق فضيلة،فيجب مراجعة هذا القرار،فهل من يقوم بهذه الرسالة عندكم غير صادق حتى تضطره الجهة المسؤولة ليذهب أمام المحكمةويضع يده على كتاب الله،فأتقوا في تلك الشموع التي تحترق لتضيء عتمة الوطن،واعلموا أنّ إنقاذ التعليم يبدأ بإنصاف المعلم، مادياً ومعنوياً، وإعادة الاعتبار لدوره ومكانته، فالأوطان لا تُبنى بالخطب الرنانة،والوعود الكاذبة، بل تُبنى بمعلمٍ كريم، مطمئن، قادر على أداء رسالته بكرامة وموثوقٌ به في مجتمعه،ودون ذلك، سيظل الوطن يدور في حلقة الفشل، مهما كثرت الشعارات،فكيف يُطلب من معلمٍ أن يؤدي رسالته على أكمل وجه، وهو محروم من أبسط حقوقه المادية والمعنوية؟
فحقوق المعلم اليوم إمّا مسلوبة أو مؤجلة أو منقوصة،أو أنها سوف تأتيهم على فتراتٍ متقطعة!!وكأنّها منة لا حقّ، وهذه الحالة ليست مجرّد أزمة رواتب،بل أزمة توصيف لحالة التعليم، وأزمة اعتراف بقيمة الدور الذي يؤديه المعلم في المجتمع، فلاتنظروا إليهم بأنهم أرقاماً على الكشوفات أو عبئاً على دفاتر الدولة،فهم من علموا الحروف الأولى،وهم اساس العملية التعليمية وجوهرها،ألا يستحق هذا المعلم أن تهتم وزارته بحلحلة مشاكله،وارجاع هيبته وكرامته التي كانت محفوظة له في السابق،فأكرموه بإعطائه الثقة بنفسه،لكي ينقلها إلى طلابه،وأعملوا جاهدين لإعادة كرامته،وأعيدوا له دخلاً يحفظُ ماء وجهه، ليُمضي بعض ساعات يومه مع أسرته دون الحاجة للعمل المتواصل طوال اليوم لتأمين ما يسدّ الرمَق…
لينهض الوطن إلى مصاف الدول المتقدمة بهم.



